إذا كانت ثمة «أدلوجة» لا تزال حيّة ترزق في المجال العربي اليوم، فهي، على نحو مفارق، النتنياهوية، وهذه أول «علامة تجارية» جامعة لليمين المتطرف على صعيد الإقليم ككل. وهذه النتنياهوية العربية لا تزدهر لأنها تلاحق صعود نتنياهو، بل في اللحظة نفسها التي يتزايد فيها نبذه خارج إسرائيل وتتعاظم عزلته الدبلوماسية.
فالقوميون والإسلاميون واليساريون أمضوا، عقداً إثر عقد، في واحد من مسارين: إما التعامل مع محمولهم العقائدي كما لو أنه تابوت عهد، أي تراث ينبغي صونه تحديداً لأنه كفّ عن أن يكون قادراً على إنتاج التاريخ؛ وإما التخفف التدريجي من كل محمول عقائدي فعلي، مع الاحتفاظ ببعض شاراته الرمزية، بل الطوطمية، التي تؤدي وظيفة الهوية والانتماء أكثر مما تؤدي وظيفة التفكير.
وفي الحالين ضاع شيء كان في صلب معنى الأيديولوجيا: امتلاك تصوّر للعالم؛ أي القدرة على وصل تفسير الماضي بتشخيص الحاضر بصورة المستقبل، وربط الاقتصاد بالمجتمع والدولة والحرب والتقنية والجغرافيا السياسية ضمن سردية تاريخية واحدة، قابلة للتعبئة والعمل، قابلة للقبض والبسط.
الصهيونية، وخصوصاً في خطها التنقيحي الممتد من جابوتنسكي إلى بيغن وصولاً إلى نتنياهو، لم تتخلَّ، في المقابل، عن هذا الطموح إلى إنتاج رؤية كلية للعالم الذي حولها. التقاط كنه ظاهرة «النتنياهوية العربية» مرهون بإدراك هذا الأمر. النتنياهويون العرب حشرجة في هذا الكم من الشعوب والأقوام، لكنها الجماعة الوحيدة التي تعرف ماذا تريد وأين مربط خيلها. أرخبيل هجين من الأصوات والجماعات والشبكات، موزع في طول البلدان العربية وعرضها، يتباين السالكون فيه في خلفياتهم ومنطلقاتهم لكنهم يلتقون عند نقطة غير تفصيلية. نقطة تتجاوز كل انبهار بالاستعمار سابق عليها، باتجاه رؤية أن المخرج من «الفوات التاريخي» العربي لا يمر بإعادة بناء السياسة والمجتمع من داخلهما، بل بالاعتراف بتفوّق النموذج الإسرائيلي وبمركزيته الإقليمية؛ وبأن على المجتمعات العربية، بصورة أو بأخرى، أن تقبل إسرائيل لا كدولة مجاورة فحسب، بل كمرجعية في تعريف العقلانية السياسية، والأمن، والتحديث، والعلاقة بالغرب، بل وفي تحديد الممكن والمستحيل في المنطقة.
وإذا استعَرنا، بشيء من المفارقة، معجماً لينينياً مشوها بعثياً، أمكن القول إن الحلم الكامن في هذا الخطاب هو أن تصبح إسرائيل «الحزب القائد» للمجتمع والدولة العربيين: المركز الذي يحدّد الاتجاه التاريخي، ويمنح شهادات الواقعية والحداثة، فيما يُردّ كل اعتراض على هذا الموقع إلى «الأيديولوجيا» أو «الوهم» أو «التأخر».
في اللحظة التي كفّت فيها قطاعات واسعة من القوميين والإسلاميين واليساريين العرب عن الإيمان بضرورة امتلاك تصور للعالم، أو راحت تستعيض عنها برغبة إما في تدمير عالمها أو الانكفاء عنه، ظهر من يخبرهم بأن العالم من حولهم قد فُسِّر بالفعل، وأن المطلوب منهم ليس سوى تأبيد «اللحظة الإبادية» على أنها محرك لتاريخ المنطقة وشعوبها ومآلها الأخير.
القومي يقول في سرّه إن عصر الانحطاط قد عاد: الأمة أضاعت وعيها بذاتها، وانقطع حاضرها عن المعنى الذي كان يفترض أن يصل ماضيها بمستقبلها. والإسلامي لا يرى في المشهد إلا جاهلية أخرى، ليست الأولى ولن تكون الأخيرة؛ طوراً جديداً من الضلال يسبق صحوة مؤجلة باستمرار. أما اليساري، فإما أن يتصرف كما لو أن الطبقة العاملة قد خانت الموعد التاريخي وطعنته في الظهر، وإما أن يكون هو نفسه قد انصرف عنها، معلّقاً آمال التغيير على «الطبقة الوسطى»؛ تلك الـدراما كوين الكبرى في هرم الاجتماع الحديث، التي تُستدعى مرة بوصفها حاملة الديمقراطية، ومرة باعتبارها قاعدة الاستبداد، ومرة ثالثة باعتبارها آخر ما تبقى من «المجتمع» حين ينهار كل شيء. هذه ليست، في العمق، ثلاث خيبات منفصلة. بل هي ثلاث صور لانهيار أنظمة مختلفة من الزمن السياسي. كان القومي يعيش على زمن البعث والنهضة والاستعادة؛ والإسلامي على زمن والاحياء ونبذ البدع والتأصيل؛ واليساري على زمن التناقض الحيوي والتراكم الجدلي والقطيعة البنيوية والتحرر المترابط. لكل واحد منهم، بطريقته، إسكاتولوجياه: وعدٌ بأن الحاضر ليس سوى مرحلة، وأن التاريخ، مهما تعثّر، يتجه في نهاية المطاف إلى لحظة انكشاف أو انبعاث أو خلاص. تنافرت هذه التصورات دهرا، ثم تساقطت الواحدة منها تلو الأخرى. ما عادت قادرة على قراءة الحاضر، ولا حتى على الحنين الى الماضي. لا عادت تحتمل الزمن ولا زمن بقي ليحتملها. لم تخلف وراءها فراغا سياسيا فقط، ولا ثقافيا فقط. خلفت تربة شيطانية. حين تموت الوعود الخلاصية، الدنيوية أولا أو الأخروية أولا، لا ينبلج نور من تلقائه، بل تتمرّغ الظلمة في الظلمة، تعد بالخلاص لا من طريق استتابة أو استلهام مجد تليد أو اقتحام السماء، بل من طريق «رؤية روح العالم» يقوده دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو على أنها اللحظة النهائية والصميمة. لأجل هذا، كل تصور امتثالي لليوم حولنا يقود بالضرورة الى حيث مرتع النتنياهوية… العربية.
في المحصلة، ليست المسألة بين برنامجين سياسيين بقدر ما هي بين طريقتين في السكن في التاريخ
هنا أيضا يصبح شيخ «الماركسية – المهدوية» فالتر بنيامين أكثر راهنية من كل فلسفات «اللحاق» بالتاريخ. فالمشكلة، في منظور بنيامين، تبدأ حين نتصور الزمن خطاً متجانساً فارغاً لا يبقى أمام المهزوم فيه إلا أن يلحق بالمنتصر، وأن يتعلم لغته، وأن يقيس نفسه بمقياسه. التاريخ عندئذ لا يعود ميداناً للصراع على الممكن، بل جدولاً للمراتب. شعوب في المقدمة، وأخرى متأخرة، ودول تمثل المستقبل سلفاً، وأخرى لا سبيل لها إلى المستقبل إلا بمحاكاتها. ولعل النتنياهوية العربية، من هذه الزاوية، ليست سوى الصيغة الإقليمية الأشد ابتذالاً لفكرة «التقدم» حين تتحول إلى عبادة للغالب: بما أن إسرائيل أقوى، وأكثر اندماجاً في شبكات القوة والتقنية والرأسمال الغربي، فإن قوتها نفسها تصبح برهاناً على صوابها التاريخي، ويغدو الانخراط في عالمها لا مجرد تسوية سياسية بل انتقالاً مزعوماً من زمن متأخر إلى زمن متقدم.
لكن ملاك التاريخ عند بنيامين لا يرى هذا الموكب بالطريقة نفسها. ما يسميه المنتصرون تقدماً يتراءى له تراكما للحطام. ليس المطلوب أن نعرف أي قطار أقلع وأين ينبغي أن نصعد إليه، بل أن نشك أصلاً في السكة وفي الساعة وفي الجهة التي قيل لنا إن التاريخ يسير إليها. ذلك أن كل حاضر هو أيضاً، عند بنيامين، «لحظة خطر»: اللحظة التي يمكن فيها للمغلوبين ألا يخسروا مستقبلهم فقط، بل أن يُعاد تنظيم ماضيهم نفسه على صورة انتصار خصومهم. وحين يحدث هذا، لا يعود المقهور مقهوراً فحسب؛ يصبح مطالباً بأن يعترف بأن هزيمته كانت عقلانية، وأن ما وقع له كان الثمن الضروري لدخوله التاريخ.
من هنا ربما كانت النجاسة الأكبر في النتنياهوية العربية ليس الإعجاب بتجربة بناء الأم في إسرائيل، ولا الرغبة في التسوية معها، وهما موقفان يمكن مناقشتهما سياسياً كلٌّ على حدة، بل تحويل ميزان القوى القائم إلى ميتافيزيقا للتاريخ لاغية له. أي الانتقال من القول إن إسرائيل تمتلك اليوم عناصر تفوق عسكري وتقني ودولي إلى القول إن هذا التفوق يكشف «حقيقة» المنطقة، ويحدد سلفاً من يحق له أن يكون «معاصرا» ومن كتب عليه أن يبقى بقايا من زمن فائت.
في المحصلة، ليست المسألة بين برنامجين سياسيين بقدر ما هي بين طريقتين في السكن في التاريخ. من جهة، خطّ فالتر بنيامين: أن نرى في ما يسمّى «تقدّماً» إمكانَ كارثة، وأن نصغي إلى ما دفنه موكب المنتصرين تحت عجلاته، وأن نُبقي الزمن مفتوحاً على ما لم يتحقق بعد. ومن جهة أخرى، خطّ بنيامين نتنياهو. أن تتحول الغلبة إلى برهان، والواقع القائم إلى قدر، والإبادة إلى مقياس للجرأة والحقيقة.
مع هذا، يبقى أن الموضع الفكاهي الوحيد الذي يستحق أن نهنّئ عليه النتنياهويين العرب في خطاب معلّمهم أمام الجمعية العامة، هو اللحظة التي التفت فيها إلى فرنسا وبريطانيا مستنكراً اتهامهما إسرائيل بالاستعمار. فجأةً، خرج من نتنياهو «هومي بابا» لا ندري من أي جيب: فرنسا وبريطانيا تتهماننا بالاستعمار؟ أنتم بالذات؟ هكذا هم النتنياهويون إجمالا، يشتكون هم أيضا من بنى استعمارية واستشراقية غير قادرة على فهم الحكمة التاريخية لايثارهم خط الإبادة.
٭ كاتب لبناني
أخبار متعلقة :