يبدأ موسم صناعة دبس العنب في السويداء بالتزامن مع قطاف العنب، لتتحول كميات من المحصول إلى منتج ارتبط على مر التاريخ بمؤونة العائلات في المحافظة وشكّل مصدر دخل لبعض أفرادها.
لكن إنتاج الدبس لا يخلو من تكاليف تبدأ من العنب والقطاف، مرورًا بالنقل والعصر، وصولًا إلى الغلي والتعبئة، ما يضع المنتجين أمام حسابات جديدة مع كل موسم.
وتعد صناعة الدبس التي تبدأ في شهر أيلول من كل عام تقريبًا من أبرز أشكال التصنيع المرتبطة بالعنب في السويداء، إلى جانب الزبيب (العنب المجفف)، واستخدامات أخرى للمحصول كالخل أو النبيذ.
كما ارتبطت صناعة الدبس في السويداء منذ سنوات بالمنازل والقرى الزراعية، وكانت العائلات تحضر كميات منه لتأمين مؤونة الشتاء، قبل أن تتوسع الصناعة تدريجيًا ويظهر منتجون يعتمدون عليها كمهنة ومصدر للدخل.
مراحل التصنيع
سامر، مزارع يبلغ من العمر 35 عامًا من قرية عرمان في الريف الجنوبي بالسويداء، ويعمل في صناعة الدبس منذ أن كان في الـ20 عمره، شرح لعنب بلدي مراحل تصنيع دبس العنب التي تبدأ بهرس العنب، سواء باستخدام الآلات داخل المعمل أو بالطرق التقليدية في المنزل، حتى استخراج العصير قبل أن ينقل إلى الوعاء الذي ستتم فيه عملية الغلي ويطلق عليه اسم “الخلقينة”.
وتستمر العملية لمدة تتراوح بين ثلاث وأربع ساعات، بهدف التخلص من أكبر كمية ممكنة من الماء والحصول على الدبس المركّز، ويتزامن ذلك مع تحريك مستمر وتنظيف لحواف “الخلقينة” تفاديًا لاحتراق أي دبس متناثر ما يؤثر على طعم الدبس لاحقًا، وبعد انتهاء الغلي، يُصفى و يحتاج إلى أن يُبرد ويستقر لنحو يومين، ليصبح بعدها جاهزًا للتعبئة والاستهلاك.
وتختلف كمية العنب اللازمة لإنتاج الدبس بحسب النوع المستخدم وطبيعته ونسبة العصير فيه، لكن سامر يقدّر أن إنتاج تنكة واحدة بوزن 25 كيلوغرامًا يحتاج إلى نحو 120 كيلوغرامًا من العنب، ويشير إلى أن العنب “السلطي الأصفر” يعد من أفضل الأنواع المستخدمة في صناعة الدبس، بحسب خبرته في المجال.
بينما لفت “أبو أشرف” من بلدة القريا، ويعمل أيضًا في صناعة الدبس منذ 12 عامًا، إلى أن صناعة الدبس قد تحتاج أحيانًا إلى 150 كيلوغرامًا وذلك في حالات صنعه من العنب المبكر.
موسم يصطدم بالتكاليف
لا تبدأ تكلفة إنتاج الدبس من المعصرة، بل من “أتعاب الموسم” (في حالة زراعة العنب) ثم قطافه أو شرائه ثم نقله وعصره وتصنيعه.
ولفت سامر إلى إن سعر شراء كيلوغرام العنب من المزارع هذا الموسم يتراوح بين 30 و35 ليرة، معتبرًا أن هذا السعر لا ينصف الفلاح مقارنة بالتكاليف التي يتحملها طوال الموسم.
ولا يعني امتلاك المزارع أرض عنب أن الدبس سيكون منخفض التكلفة، إذ يحتاج المحصول إلى عمال للقطاف، إضافة إلى أجور النقل والعصر ومصاريف التصنيع، بحسب سامر.
وقال “أبو أشرف”، إن تكلفة إنتاج تنكة الدبس هذا العام قد تصل إلى نحو 8000 ليرة، بعد حساب مختلف المصاريف التي تدخل في تجهيزها.
وبحسب ما رصدته عنب بلدي، لم يتحدد سعر نهائي للدبس هذا الموسم، لكن الغالبية من العاملين في هذه الصناعة والذين قابلتهم عنب بلدي، يرون أن سعر التنكة هذا العام سيتراوح بين 12,000 و15,000 ليرة وذلك سيكون ضروريًا حتى يستطيع البائع تغطية تكاليفه وتحقيق هامش ربح.
بينما كانت تُباع تنكة الدبس في الموسم الماضي بما يقارب 10,000 ليرة تقريبًا ويتفاوت هذا السعر من بائع لآخر.
الجودة تجذب الزبون
يُقبل بعض الأهالي على شراء دبس العنب وتخزينه ضمن مؤونة المنزل، لكن القدرة على شرائه بكميات كبيرة تتراجع تدريجيًا مع ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية.
وعلى الرغم من صعوبة التسويق، فإن اعتماد العاملين يتركز على جودة طعم المنتج، إذ تشكل جودة الدبس “عاملًا أساسيًا في عودة الزبون إلى المنتج نفسه في المواسم التالية”، بحسب أحد المنتجين، إلى جانب السمعة التي يكتسبها بين الأهالي.
كما أن إمكانية تخزين الدبس لفترات طويلة دون أن يفسد تساعد على تخزينه من موسم إلى آخر ما يضمن عدم خسارة الشاري أو البائع.
ومع استمرار ارتفاع تكاليف إنتاج دبس العنب، يبقى المُنتج أمام معادلة صعبة تتمثل في تجنب خسارة الموسم، والاستمرار في صناعة الدبس، والوصول إلى سعر يغطي تكاليف إنتاجه، مقابل قدرة المستهلك على شرائه، في وقت تراجعت فيه القدرة الشرائية.
اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى
أخبار متعلقة :