أعادت الولايات المتحدة إلى سوريا 36 قطعة أثرية، تُقدّر قيمتها الإجمالية بأكثر من خمسة ملايين دولار، خلال مراسم أُقيمت في مدينة نيويورك.
وأعلن مكتب المدعي العام لمقاطعة مانهاتن، ألفين براغ، في بيان نشره الأربعاء 23 من أيلول، إعادة القطع إلى سوريا، موضحًا أن بعضها صودر من متحف متروبوليتان للفنون في نيويورك ومن مجموعات خاصة، بعد تحقيقات امتدت لسنوات وشملت أكثر من دولة.
وشهدت مراسم التسليم حضور براغ، ونائب وزير الخارجية الأمريكي كريستوفر لانداو، والمبعوث الرئاسي الخاص للولايات المتحدة إلى سوريا والعراق توم براك، والقائم بأعمال السفارة السورية في واشنطن محمد ناصر قناطري، ومندوب سوريا الدائم لدى الأمم المتحدة إبراهيم علبي، إلى جانب مسؤولين ودبلوماسيين آخرين، بحسب ما ذكرته وكالة الأنباء السورية (سانا).
وقال براغ، إن إعادة الآثار تمثل تذكيرًا بأن حماية التراث الثقافي “تتجاوز الحدود والجنسيات”، مشيرًا إلى أن العملية جاءت نتيجة تحقيق وصفه بالمعقد ومتعدد الجوانب، واعتمد على تعاون دولي.
قطع من تدمر وفسيفساء سورية
من بين القطع التي عادت إلى سوريا نقش حجري ضخم من تدمر، إضافة إلى 14 لوحة فسيفسائية قال مكتب المدعي العام إنها نُهبت من فيلا رومانية في سوريا.
وأوضح المكتب أن النقش التدمري عبارة عن منحوتة من الحجر الجيري تعود إلى أواخر القرن الثاني الميلادي، وتصور رجلًا مستلقيًا تحيط به امرأة وثلاثة أطفال. وكانت المنحوتة جزءًا من جدار غرفة دفن في أحد المدافن التدمرية، ويزيد وزنها على ألف رطل، أي نحو 450 كيلوغرامًا.
وبحسب مكتب المدعي العام، أُخرجت المنحوتة من تدمر وهُرّبت إلى دبي قبل تدمير تنظيم “الدولة الإسلامية” أجزاء واسعة من الموقع الأثري بين عامي 2015 و2017. وتندرج القطعة ضمن آثار تدمر التي تعرضت لعمليات نهب وتهريب خلال سنوات الحرب في سوريا.
وتضم القطع المعادة أيضًا جزءًا كبيرًا من أرضية فسيفسائية تُعرف باسم “تيليتي وإيروس”، ويعود تاريخها إلى القرن الثالث قبل الميلاد. وتصور الفسيفساء الزفاف الأسطوري للإلهين تيليتي وإيروس، بحضور أفروديت و”الآلهات الثلاث”، وصُنعت من مئات المكعبات الحجرية الملونة الصغيرة.
وقال مكتب المدعي العام إن هذه الفسيفساء صودرت في تموز 2021 إلى جانب 22 قطعة فسيفساء أخرى مسروقة من سوريا ولبنان، بعد ضبطها في وحدة تخزين مرتبطة بمهرب الآثار جورج لطفي. ويلاحق لطفي في الولايات المتحدة بموجب مذكرة توقيف صدرت عام 2022، كما صدرت بحقه مذكرة حمراء من منظمة الشرطة الجنائية الدولية “إنتربول” عام 2023، وفق البيان الأمريكي.
تماثيل سورية تعود إلى الألفية الثانية قبل الميلاد
وتشمل القطع ثلاثة تماثيل نسائية سورية-حيثية تعود إلى الألفية الثانية قبل الميلاد، وصُنعت في شمال غربي سوريا.
وبحسب مكتب المدعي العام، ظهرت التماثيل الثلاثة للمرة الأولى في سوق الفن خلال أواخر ثمانينيات وأوائل تسعينيات القرن الماضي، وكانت بحوزة صاحب معرض فني في نيويورك يدعى إدوارد ميرين، أُدين لاحقًا أمام محكمة اتحادية أمريكية بجرائم مرتبطة بتهريب الآثار.
وبعد ذلك، بيعت التماثيل إلى مجموعة مايكل شتاينهارت، أحد أبرز جامعي الفنون القديمة، الذي صادرت السلطات الأمريكية من مجموعته 180 قطعة أثرية تُقدّر قيمتها بنحو 70 مليون دولار، في إطار تحقيق جنائي متعدد السنوات والدول.
وقال مكتب المدعي العام إن أربعًا من القطع المعادة إلى سوريا كانت ضمن مجموعة شتاينهارت، في حين جاءت قطع أخرى من مصادر مختلفة، بينها متحف متروبوليتان للفنون.
وبحسب البيان، صادرت وحدة مكافحة تهريب الآثار التابعة لمكتب المدعي العام في مانهاتن منذ عام 2017 نحو 402 قطعة أثرية من المتحف، بقيمة إجمالية بلغت 98.7 مليون دولار، كما استعادت أكثر من 6400 قطعة وممتلك ثقافي، بقيمة تصل إلى 495 مليون دولار، وأعادت أكثر من 6200 منها إلى 40 دولة.
إعادة الآثار إلى سوريا
قال القائم بأعمال السفارة السورية في واشنطن، محمد ناصر قناطري، إن التعاون السوري-الأمريكي وجهود مكتب المدعي العام في مانهاتن أسهما في إعادة جزء من تاريخ سوريا إلى البلاد.
وأضاف قناطري أن عملية الاستعادة تظهر، بحسب تعبيره، إمكانية بناء تعاون طويل الأمد بين البلدين في مجال حماية التراث الثقافي.
وتأتي إعادة القطع الأثرية في وقت تشهد فيه سوريا تحركات لاستعادة ممتلكاتها الثقافية التي خرجت من البلاد خلال العقود الماضية، ولا سيما خلال سنوات الحرب التي شهدت تعرض مواقع أثرية ومتاحف وقطع أثرية للنهب والتهريب.
إعادة سابقة لقطع أثرية من فرنسا
في تموز الماضي، حمل الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، خلال زيارته إلى دمشق 23 قطعة أثرية سورية كانت موجودة في فرنسا منذ عام 2010.
القطع كانت قد أُعيرت إلى معهد العالم العربي في باريس استعدادًا لمعرض كان مقررًا تنظيمه عام 2011، لكن اندلاع الثورة السورية حال دون إعادتها إلى سوريا في ذلك الوقت. وشملت القطع حقبًا تاريخية مختلفة، بدءًا من الألف العاشر قبل الميلاد، مرورًا بعصر البرونز والفترات الكلاسيكية، وصولًا إلى الحضارة العربية الإسلامية.
وجاءت إعادة القطع الفرنسية في سياق زيارة ماكرون إلى دمشق في 6 و7 من تموز، والتي كانت الأولى لرئيس فرنسي إلى سوريا منذ زيارة الرئيس الأسبق نيكولا ساركوزي عام 2009.
وتختلف الحالتان من حيث طبيعة القطع ومسار خروجها من سوريا، إذ كانت القطع التي أعادتها فرنسا قد أُعيرت إلى معهد العالم العربي، بينما تتعلق القطع التي أعادتها الولايات المتحدة بآثار قالت السلطات الأمريكية إنها نُهبت أو هُرّبت وصادرتها السلطات خلال تحقيقات في الاتجار غير المشروع بالآثار.
وتسلط عمليتا الاستعادة الضوء على ملف الآثار السورية التي انتقلت إلى الخارج، سواء عبر الإعارة الرسمية أو نتيجة عمليات النهب والتهريب، وعلى استمرار الجهود الدولية لإعادتها إلى سوريا.
أخبار متعلقة :