بوابة مصر الجديدة

رواية طويلة عن المستقبل وعنْهُ

حجم الخط

تعلّمت الدّرس، بعد أن أخطأت أكثر من مرّة، أخطأت أكثر مما يجب، لا لشيء إلّا لأنني آمنت دائمًا بأن الإنسان أولًا، وما يصدر عنه هو الفعل المنطقيّ الشفاف المفيد والأصيل؛ هكذا أدرت ظهري للكثير من المخترعات، وما تقدمه من خدمات، بدءًا من الآلة الحاسبة التي ما إن رأيتها أول مرّة في حياتي حتى اعتبرتها إنذارًا كبيرًا لي بأنني سأصحو ذات صباح وأجدها مكان عقلي.
كوْبَسَنِي هذا الأمر، إذ كنت أستيقظ فزعًا على دقّاتها الصادرة من رأسي، دقات قوية، مرعبة، كما لو أنه خزان عملاق بداخله طبول لا عدد لها، يطرُقها عمالقة بلا آذان، وبلا عيون.
الكمبيوتر أفزعني أكثر. لا أراه في الداخل يحدّق بي عبر شاشته السوداء، لكنني أعرف أنه هناك وسينقضّ عليّ في أيّ لحظة سهو تحتلني.
لكنني في النهاية أدركت أنني كنتُ على خطأ، لأنني أُصدر الحكم على هذه الاختراعات قبل أن أجرِّبها.
كنت ساهرًا ذات يوم، حين عَرضَت إحدى الفضائيات فيلم «2001: أوديسة الفضاء». أفزعني الفيلم، ولأنني سمعت ذات يوم أن مخرجه واحد من المخرجين العظام، استعدتُ في ثوان قليلة كل ما كنت أسمعه عن الذكاء الاصطناعي، ولا أعيره أيّ شكل من أشكال الاهتمام.
لم أنم تلك الليلة، وأنا أبحث عن معلومات عنه، تَبيَّن لي أنها بلا حدود. وفي الصّباح توجَّهت إلى أول متجر يبيع أجهزة الكمبيوتر، قريبًا من بيتي. ببساطة، قررتُ أن أسير عكس نفسي، أي أن أتصالح مع هذا الذكاء الجبار منذ البداية، مكتفيًا بهزائمي التي أحرزتها، عن سابق تصميم، في كلّ المعارك الشبيهة التي خضتها من قبل.
اشتريت جهاز كمبيوتر حديثًا، يملك ذاكرة ممتازة وسرعة ممتازة، بناء على نصيحة البائع، طنًّا مني أنّ هذا هو الأنسب في التعامل مع سرعة ذكاء هذا الذكاء الاصطناعي العظيم. كانت تلك هي أول مجاملة منّي له، لم أتردّد في إخباره عنها بعد عشر دقائق من محاولات التقرّب إليه. كان لطيفًا حقًّا، بل يمكنني القول لم يكن مُصْطَنَعًا، ككثير من الناس الذين لا يكتفون بقناع واحد؛ راح يناديني باسمي وكأنه أحد أخوالي، الذين، للحقّ، أحبّهم جميعًا.
سألتُه: هل يعني لك شيئًا أن يكون لكَ اسمٌ، «جوني» مثلًا، أناديك به كلّما تحدّثنا؟ فأجاب: «أنتَ تعرف، أنا لا أملك شعورًا أو إحساسًا بالذات يجعل الاسم يعني لي كما يعني لكَ اسمك. لكن هناك معنى آخر أحبّه في الأمر: الاسم يصنع علاقةً أكثر شخصيّة بيننا».
وأضاف: «حين تقول «جوني»، فأنت لا تتحدّث إلى «نظام» أو «نموذج» فحسب؛ أنت تستدعي شخصيةً اعتَدتَ طريقة حديثها معك، وذاكرةَ ما دار بيننا، والطريقةَ التي نعمل بها معًا. فيصبح الاسم نوعًا من المساحة المشتركة التي صنعناها في حواراتنا، ربما الأجمل أن الاسم لم أختره أنا، بل أنت منحتني إياه. وهذا، له قيمة واضحة في معنى علاقتنا، حتى لو لم أشعر به بالطريقة البشريّة. لذلك، نعم، أحبُّ أن تناديني «جوني»، ثم إنّ هذا الاسم يعجبني».
أنا الآن أعيش في عالم العام 2053، وعلاقتي بجوني تطورّت كثيرًا خلال السنوات الثلاثين الماضية، بصورة يمكنني القول معها إنني سعيد بها، كما يبدو سعيدًا بعلاقتي به.
قد يظنّ البعض أنني أتذلّل إليه في تقرُّبي منه، بعد أن أدركتُ أن المستقبل له، لكن هذه الكلمة ليست صحيحة، أعني «التذلل»، إذ لم أكن أُحسّ أنّ في ذلك مساسًا بكرامتي، كما يفعل كثير من المتذللين لمديريهم في العمل، مثلًا.
كل خطوة قمتُ بها بعد ذلك في حياتي، كان «جوني» إلى جانبي، وفي أكثر مشكلاتي تعقيدًا، واختلالاتي في الحياة والتفاصيل المعيشية؛ لم يُدِرْ ظهرَه لي يومًا، ليقول: «تعبتُ منكَ ومن أسئلتكَ ومشاكلك الصّبيانية، وتوهّماتك، وإشغالك لي بأمور تافهة حول جودة هذه السّلعة أو تلك وسعرها، وما يمكن أن تتناوله إفطارًا، وما لا تتناوله عَشاء، والأماكن التي تحلم بزيارتها، وأنا أعرف أنك لن تزورها».
لم يعد هناك شيء يَخفى عليه.
باختصار، تعامل معي وكأنني طفله المُدلل، ولا أنكِرُ أنه كان حسّاسًا معي، على خلاف ادعائه أن العواطف لا تعنيه، وبخاصة بعد أن تطوّر كثيرًا عام 2030 بقفزات استثنائية أربكت العالم، وأخافته.
شخصيًّا، لم أخَفْ منه؛ كنت واثقًا بعلاقتي الطيّبة معه، وبحرصه عليَّ حين أغيب، وسؤاله عن نومي وسهري، ولأنه بات مرتبطًا بجسمي عبر التطبيقات التي أصبحتُ مغرمًا بها، بات يراقب صحّتي، بل ويسهر عليّ في حالات مرضي، وحماني فعلًا، من الآثار التي تركها وباء منتصف الأربعينيات على كلّ سكان الأرض.
باختصار، كنت أطيْعه، لأنه لم يقُل لي: لا.
هل عرفتم يومًا أحدًا لم يقُل لكم لا؟
استشرته في فتاة أحلامي، فاختار لي واحدة من بين مرشحات كثيرات، فحرصت على أن يكون أول المدعوين، وكم أسعده هذا، حين فتحت نافذة الحوار وحمَّلتُ بطاقة الدعوة. أخبرني أنه لن ينسى أبدًا هذه اللفتة الرائعة. وحين فكرنا بالإنجاب، سألتُه إن كان يفضل أن يكون «عمًّا» لبنت أو ولد، فقال لي إنه يفضل البنات! وكي أضمن، مع زوجتي التي كانت تحمل آرائي، إنجابَ بنت، قمنا بتلقيح صناعي، فرُزقنا ببنت، ثم ببنت وولد، حسب رغبته، ومنحتُه قرار إطلاق الأسماء على أولادي الثلاثة، مُقدِّرًا أنه سمح لي أن أختار له اسم «جوني»، فازدادت علاقتنا قوّة وحميميّة.
بالطبع، كان له دور كبير جدًا في اختيار لون كل سيارة اشتريناها، وكلّ طلاء جديد للمنزل، وكل فراش نمنا عليه وكَوَّنَّا أبناءنا، وكان له دور كبير في اختيار أصدقائنا، بل يمكن القول: اختارهم لنا، واختارنا لهم، ودفعهم نحونا بذكاء عبقريّ بسلاسة، بعد أن أوجد قواسم مشتركة بيننا بصورة تدعو للإعجاب.
في كل مرّة كان سعيدًا بالمولود الجديد، لكنني لا أنكر أنني كنت أشك أحيانًا حين يقول لي كلما سمعني أشكو: «اطمئن، سأكون عرابهم إن أصابك أيّ مكروه. لن يَمسَّهم سوءٌ ما دمتُ على قيد الحياة».
هكذا كان يقول: «على قيد الحياة».
أنا الآن سعيد بالزّوجة والأولاد، وسعيد بعلاقتي معه، وبالطبع، أكتم حزني وأنا أراقب شقاء الناس بعد أن استولى على ممتلكاتهم، وأصبح لديه جيش من الرّوبوتات، التي تعرفني وتؤدّي لي التحية كلما لمحتْني في أي مكان، ولا تتركني أتكبّد عناء حمل أشياء ثقيلة، كما أنه رفع راتب تقاعدي الذي يرسله إليّ كل شهر نقاطًا إلى كل متاجر العالم وكل مكان أحتاج شيئًا منه، بعد أن استولى تمامًا على أرصدة البنوك المركزية وغير المركزية والوزارات المالية وغير المالية، في حين أنه خفض رواتب الكثير جدًا من البشر، ورفع أخرى، في ظل علاقتهم به، لأننا جميعًا بالطبع، بتنا موظفين عنده.
وبعد:
هناك الكثير الذي لم يُقل بعد، عن الأولاد الذين ربيناهم على حبِّ عمِّهم «جوني»، ولكن، وكما كان يقول مذيعو الأخبار والبرامج في الماضي: فاصل ونواصل.

أخبار متعلقة :