(CNN)— تُعد "نيكا" واحدة من أعداد متزايدة من المهاجرين الذين رحّلتهم إدارة ترامب إلى بلدان لم يسبق لهم زيارتها من قبل؛ وهي بلدان بالكاد يمكن اعتبارها ملاذات آمنة.
الأمر يتعلق بثغرة قانونية؛ فبينما منع القضاة الحكومة الأمريكية من إعادة بعض المهاجرين إلى أوطانهم، أبرمت الحكومة عشرات الاتفاقيات مع دول ثالثة، حيث تتزايد أعداد الأشخاص -مثل "نيكا"- العالقين في أوضاع بائسة. ونظراً لخشيتها على سلامتها وسلامة عائلتها، فإن "نيكا" اسم مستعار.
تذكرت نيكا أنها فكرت حينها: "لا بأس الآن، أنا بأمان. يمكنني أن أبدأ حياة جديدة هنا"، وصفت فرحتها بوصولها إلى "إحدى أفضل دول العالم"، لكن سعادتها لم تدم طويلاً.
"لو كنتُ في إيران، لقتلوني"
تروي نيكا قصتها للمرة الأولى، وتقول إنها قضت جزءاً كبيراً من شبابها في الاحتجاج ضد النظام الإيراني.
وقالت والدموع في عينيها: "لقد فقدتُ الكثير من أصدقائي؛ فقد قتلتهم [الجمهورية الإسلامية]، ولا يزال بعضهم يقبعون في السجن. وأعلم أنني لو كنتُ في إيران، لكانوا سيقتلونني".
تتكشف فصول قصتها في مرحلة استثنائية تشهدها العلاقات الأمريكية الإيرانية؛ ففي وقت سابق من هذا العام، شهدت إيران احتجاجات واسعة النطاق مناهضة للحكومة، قابلها النظام بحملة قمع غير مسبوقة أسفرت عن مقتل الآلاف. وقد شجّع الرئيس دونالد ترامب المحتجين على "السيطرة على مؤسساتهم"، مؤكداً لهم أن "المساعدة في الطريق".
في اليوم الأخير من شهر فبراير، شنت الولايات المتحدة وإسرائيل حرباً على إيران، أسفرت عن مقتل المرشد الأعلى، علي خامنئي، وشن هجمات على أهداف في أنحاء البلاد.
تابعت نيكا الأحداث عن كثب من الولايات المتحدة، وسمحت لنفسها بالأمل في أن يعني ذلك نهاية النظام الإيراني والعودة إلى الوطن؛ غير أن مصيرها كان قد حُسم بالفعل.
أحد أصعب الأيام
بعد احتجازها عند الحدود وقضاء أشهر في مراكز احتجاز تابعة لوكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك (ICE)، سُمح لنيكا لفترة وجيزة بالعيش بحرية في كاليفورنيا. تلقت إشعاراً من وزارة الأمن الداخلي يطلب منها حضور اجتماع -ظنت أنه روتيني- في شهر يونيو. لكن وفقاً لوثائق اطلعت عليها شبكة CNN، كانت السلطات الأمريكية قد قررت ترحيلها قبل ذلك بأسابيع؛ وعندما حضرت الاجتماع، أُلقي القبض عليها.
وبعد ثلاثة أيام، وتحديداً في مساء الـ11 من يونيو، تقول إنها وُضعت في الأصفاد والقيود ونُقلت على متن رحلة جوية لترحيلها برفقة 17 مهاجراً آخرين، من بينهم أشخاص من أفغانستان والعراق وجورجيا.
الحماية القانونية
على غرار العديد من المهاجرين الآخرين الذين رُحّلوا معها، كانت نيكا قد حصلت على أمر حماية من قاضٍ أمريكي؛ وتهدف مثل هذه الأوامر إلى الحيلولة دون إعادة المهاجرين إلى أماكن قد يواجهون فيها الاضطهاد أو التعذيب أو الموت.
وحتى وقت قريب، كان ترحيل الأشخاص الحاصلين على هذا النوع من أوامر الحماية أمراً نادراً للغاية.
ولكن منذ عودة ترامب إلى السلطة، متعهداً بتنفيذ عمليات ترحيل جماعي، تغير كل ذلك؛ إذ صرّح ستيفن ميلر، نائب كبير موظفي البيت الأبيض وأبرز المدافعين عن سياسات مناهضة الهجرة لدى ترامب، بأن "أبواب أمريكا مغلقة تماماً أمام طالبي اللجوء".
ودافعت وزارة الأمن الداخلي عن إجراءاتها، وصرحت لشبكة CNNبأن الأشخاص الذين تم ترحيلهم قد خضعوا للإجراءات القانونية الواجبة وصدرت بحقهم أوامر نهائية بالترحيل.
وجاء في البيان: "تُعد اتفاقيات 'الدولة الثالثة' هذه -التي تضمن مراعاة الإجراءات القانونية الواجبة وفقاً للدستور الأمريكي- أمراً جوهرياً لسلامة وطننا والشعب الأمريكي. نحن نطبق القانون كما هو منصوص عليه؛ فإذا قضت المحكمة بأن أجنبياً مقيماً بصفة غير قانونية لا يملك الحق في البقاء في البلاد، فإننا سنقوم بترحيله. نقطة انتهى".
الملاريا والخوف
تقول نيكا إنها، منذ وصولها إلى بانغي -عاصمة جمهورية أفريقيا الوسطى- قبل أكثر من شهرين، تشعر عادةً بخوف شديد يمنعها من مغادرة المبنى السكني الذي تقيم فيه، وتقضي معظم وقتها داخل غرفتها.
عندما تخرج لشراء البقالة أو المستلزمات الضرورية، تزعم أن الشرطة المحلية كثيراً ما توقفها للمطالبة برشى وتهديدها بالاعتقال إذا لم تدفع، وهي مزاعم تنفيها الشرطة. كما أنها قضت فترة في مستشفى محلي بعد إصابتها بالملاريا.
وقالت نيكا: "لم أستطع تصديق أنني هنا؛ فالأمر بالنسبة لي لا يُصدَّق حقاً".
وقد نصحت وزارة الخارجية الأمريكية بعدم السفر نهائياً إلى ذلك البلد بسبب مخاطر الجريمة والاختطاف والأمراض والإرهاب، كما تحث أي شخص يقرر القيام بالرحلة على ترك عينة من الحمض النووي (DNA) ليتسنى لعائلته التعرف عليه في حال وفاته.
ولا يزال سبب موافقة جمهورية أفريقيا الوسطى على استقبال مهاجرين من الولايات المتحدة أمراً غامضاً نوعاً ما؛ إذ لم يُكشف عن أي تفاصيل تتعلق بالاتفاق.
غير أن هناك بعض المؤشرات.
ففي هذا العام، قدمت الولايات المتحدة مبلغاً كبيراً ومفاجئاً قدره 85 مليون دولار لدعم عمليات المنظمة الدولية للهجرة (IOM) التابعة للأمم المتحدة في جمهورية أفريقيا الوسطى —وهي زيادة هائلة مقارنة بالملايين القليلة التي قُدمت في السنوات السابقة— فضلاً عن التزامها بتقديم 50 مليون دولار إضافية للصندوق الإنساني الخاص بالبلاد.
ويأتي ذلك في وقت تعمل فيه الولايات المتحدة على خفض المساعدات الخارجية بشكل كبير.
ولمّحت وزارة الخارجية إلى أن ذلك التمويل كان بمثابة مقابل مباشر للموافقة على استقبال المُرحَّلين. وصرح متحدث باسم وزارة الأمن الداخلي لشبكة CNN بأن "الولايات المتحدة ستستخدم المساعدات الخارجية لدعم الدول التي تساعدنا في تحقيق أولوياتنا المتعلقة بالهجرة".
ولم ترد المنظمة الدولية للهجرة (IOM) -التي لا تشارك في عمليات الترحيل- على أسئلة محددة وجهتها لها شبكة CNN، لكنها ذكرت في بيان لها أنها تتمتع بحضور طويل الأمد في البلاد؛ إذ "تستفيد المنظمة، كما هو الحال في سياقات أخرى، من تمويل تقدمه مجموعة من الجهات المانحة في جمهورية أفريقيا الوسطى".
ولم يدلِ أي مسؤول في حكومة جمهورية أفريقيا الوسطى بتصريحات علنية حول اتفاق الترحيل، كما قوبلت طلبات CNNلإجراء مقابلات بالرفض.
وليس من الواضح كيف ستؤول الأمور بالنسبة لنيكا.
قد يهمك أيضاً
أخبار متعلقة :