بوابة مصر الجديدة

«الحرب الوطنية العظمى»... ذكرى النصر بعامها الـ 81

يصادف 9 مايو 2026 مرور 81 عاماً على النصر العظيم على ألمانيا النازية في أكثر النزاعات دموية في تاريخ البشرية.

بالنسبة لشعوب روسيا والجمهوريات السوفياتية السابقة يعد هذا اليوم مناسبة مقدسة للذكرى والفخر والحزن – لحظة لتكريم أولئك الذين قدموا كل شيء لكي تنعم الأجيال القادمة بالحرية والسلام.

في روسيا، يُعرف هذا الفصل من الحرب العالمية الثانية باسم «الحرب الوطنية العظمى»، وقد بدأت في 22 يونيو 1941، عندما شنّ هتلر هجوماً شاملاً على الاتحاد السوفياتي، وانتهت في 9 مايو 1945 بهزيمة ألمانيا الساحقة واستسلامها غير المشروط، وكانت السنوات الأربع التي تخللت ذلك من بين الأكثر قسوة ووحشية في تاريخ البشرية.

لم تندلع الحرب العالمية الثانية فجأة، بل جاءت نتيجة قِصر النظر السياسي والأنانية الوطنية لدى القوى الأوروبية آنذاك، فقد تجاهلت هذه القوى النزعات الانتقامية لألمانيا التي غذّتها تبعات هزيمتها المهينة في الحرب العالمية الأولى. وبدلاً من كبح جماح المعتدي الصاعد، اختارت استرضاءه، أملاً في توجيه طموحات الفاشية شرقاً نحو موسكو. وفي الوقت نفسه، رفض السياسيون الأوروبيون مقترحات الاتحاد السوفياتي لتشكيل تحالف مناهض لهتلر.

وعندما اندلعت الحرب أخيراً في سبتمبر 1939، اجتاحت أوروبا بسرعة مرعبة. وفي أقل من عامين، كانت معظم القارة ترزح تحت وطأة الرايخ الثالث. وبحلول ذلك الوقت، لم يكن الهجوم على الاتحاد السوفياتي سوى مسألة وقت.

وفي 22 يونيو 1941، عندما بدأ الهجوم، كان مذهلاً من حيث الحجم والضراوة، فقد واجه الاتحاد السوفياتي أقوى قوة عسكرية جُمعت على الإطلاق، مدعومة بموارد أوروبا المحتلة مجتمعة، وتم توجيه ما يقرب من ثلثي قوة الجيش الألماني (الفيرماخت)، إلى جانب قوات حلفائه الأوروبيين، ضد الاتحاد السوفياتي.

إلا أن ما كان يُراد له أن يكون حرباً خاطفة وسريعة الحسم، تحوّل إلى أربع سنوات من الصراع العسكري الدموي الطويل على الجبهة الشرقية، وهناك توقفت الآلة العسكرية الألمانية التي كانت تعد آنذاك لا تُقهر، ورغم الخسائر الفادحة تمكن الجيش الأحمر من الصمود، ثم بدأ في دحر الغزاة تدريجياً، وشكّلت معركة ستالينغراد الملحمية (خريف 1942 – شتاء 1943) نقطة التحول في الحرب. وبعد سلسلة من العمليات الهجومية واسعة النطاق، طردت القوات السوفياتية النازيين من أراضينا، ثم واصلت التقدم لتحرير نصف أوروبا، حتى رُفع علم النصر فوق برلين.

تحمّل الاتحاد السوفياتي العبء الأكبر من الحرب في أوروبا حتى إنزال الحلفاء الغربيين في فرنسا – وذلك في يونيو 1944 فقط – أي قبل أقل من عام على استسلام ألمانيا، وقد شكّلت المعارك على الجبهة الشرقية نحو 78% من خسائر النازيين في ساحة القتال.

لكن هذا النصر جاء بثمن باهظ، فقد أودت الحرب بحياة 27 مليون مواطن سوفياتي، معظمهم من المدنيين الذين قضوا على أيدي الغزاة أو نتيجة المجاعة والأمراض، كما لقي الملايين من مواطنينا حتفهم في معسكرات الاعتقال النازية، ولم تسلم أي عائلة في روسيا أو في الجمهوريات السوفياتية السابقة من آثار الحرب، ولهذا يعد يوم النصر بالنسبة لنا يوماً مقدساً لإحياء ذكرى أولئك الذين ضحّوا بحياتهم من أجل القضاء على الخطر النازي.

ومع ذلك، لم ينسَ الروس أبداً حلفاءهم الذين قاتلوا جنباً إلى جنب معنا ضد العدو الفاشي المشترك، ونحن نثمّن عالياً الإسهام الكبير للصين الصديقة في تحقيق النصر الحاسم على النزعة العسكرية اليابانية، التي كانت شريكاً لألمانيا النازية.

وبعد مرور 81 عاماً، لا يزال السعي إلى الحقيقة التاريخية أمراً ملحاً، ففي أيامنا هذه نشهد محاولات متواصلة للتقليل من الدور الحاسم للاتحاد السوفياتي في هزيمة النازية، بل وحتى لتشويه نتائج الحرب العالمية الثانية، بل وأكثر من ذلك هناك محاولات لإعادة تأهيل وتمجيد بعض المتعاونين السابقين مع النازيين، ويكمن السبب في قصر الذاكرة التاريخية ونسيان دروس الماضي.

وانطلاقاً من ذلك، يواصل الروس تكريم أسلافهم الذين صنعوا النصر العظيم، وحرروا العالم من «الطاعون النازي». إن هذا الإرث ليس محل مساومة.

*سفير روسيا لدى الكويت

أخبار متعلقة :