بوابة مصر الجديدة

اختلاف القراءات لا يعني اختلاف المصير

الحرب التي كشفت ما تحت السطح 

الحروب الحديثة لا تكتفي بتحريك الجيوش، وإنما تكشف ما تراكم في الوعي الجمعي للعرب من حساسيات ومخاوف وتباينات في تقدير الأولويات. والحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، أظهرت هذا بوضوح، فهي تُطرح عربياً بوصفها مواجهة عسكرية مع إسرائيل، وكذلك كاختبار للرؤية السياسية: كيف يُقرأ التهديد؟ ومن أين يبدأ تعريف الخطر؟

في قطاعات واسعة من الرأي العام العربي، ظهرت إيران في موقع الدولة التي تعرضت للضربة الأولى الغاشمة من أعداء الشعوب العربية الوجوديين، ولذلك كان رفض الحرب موقفاً أخلاقياً وسياسياً لدى كثيرين، خصوصاً في ظل الذاكرة المفتوحة والجريحة على فلسطين وغزة ولبنان. هذا الشعور مفهوم، لكنه لا يستوعب وحده كامل الصورة.

في المقابل، القراءة الخليجية تنطلق من طبقات أعمق من مجرد متابعة تطورات الصراع. هناك تجربة طويلة مع تهديدات إيرانية مباشرة وغير مباشرة، مع استهدافات طالت الأمن والمنشآت، ومع وقائع تركت في الذاكرة السياسية ما يجعل النظر إلى إيران مختلفاً عن نظرة من يراقب المشهد من بعيد. ولذلك فإن التفاوت في المواقف ليس انقساماً بين حق وباطل، بقدر ما هو اختلاف في زاوية الرؤية.

الخليج يتحدث من ذاكرة مثقلة بالتجربة

من الظلم اختزال الموقف الخليجي في حسابات سياسية باردة، مثل وجود قواعد أجنبية (موجودة في العراق وسورية الأسد). ما يحكم هذه النظرة هو تراكم خبرات صعبة، مثل استهداف منشآت نفطية، تهديدات للملاحة، صواريخ ومسيّرات، خلايا نائمة، إضافة إلى مشاهد الفوضى التي ضربت دولاً عربية بفعل الصراعات الإقليمية، وما ارتبط بها من تغييرات قسرية في البنية السكانية والمجتمعية في بعض الساحات العربية مثل دعم سورية الأسد، ومشروع النفوذ في العواصم العربية بغداد وصنعاء وبيروت ودمشق.

هذه الوقائع ليست تفاصيل هامشية في تشكيل الموقف، بل جزء من بنيته. ولهذا ترى دول الخليج الحرب من منظور الأمن الوطني المباشر، لا من منظور التجاذب النظري بين محاور.والاعتراف بهذه الحقيقة لا ينتقص من رفض الحرب، بل يضيف إليه عمقاً، فمن الممكن رفض الضربة العسكرية على إيران، وفي الوقت نفسه إدراك أن الخليج لا ينظر إلى المسألة باعتبارها سجالاً سياسياً، بل قضية أمن ووجود واستقرار.

وهذا الفهم ضروري لتبديد سوء القراءة المتبادل، فالتعاطف الشعبي العربي مع إيران في هذه الجولة لا يساوي قبول سياساتها، كما أن التحفظ الخليجي تجاه إيران لا يعني انحيازاً إلى الحرب عليها.

فلسطين والخليج... معادلة لا تقبل الفصل

بعض الخطابات تعاملت مع المشهد وكأن هناك مفاضلة بين الانحياز لفلسطين والانتباه لأمن الخليج، وهذه قراءة قاصرة، فالقضية الفلسطينية تبقى في قلب الوعي العربي والإسلامي، لكنها لا تلغي حق دول الخليج في النظر إلى أمنها بوصفه أولوية مشروعة.

الوعي السياسي الناضج لا يقيم تعارضاً بين القضيتين، فالمنطقة لا تحتمل هذا النوع من الاستقطاب. الدفاع عن فلسطين لا يمر عبر التقليل من أخطار تحيط بالخليج أو قتل مليون في سورية، وتهجير نصف سكانها للوصول إلى إسرائيل، كما أن حماية الخليج لا تستوجب تجاوز حقيقة أن إسرائيل ما زالت في الوعي العربي والخليجي مصدر تهديد تاريخي ووجودي. وللإنصاف من يتذكر تحالف الشاه مع إسرائيل يدرك حجم الكارثة على الخليج لو كان موجوداً.

وهنا تبرز الحاجة إلى خطاب عربي أكثر اتزاناً، لا يطلب من الخليج تجاهل ما يهدد أمنه، ولا يطلب من الشعوب أن تنسى بوصلتها تجاه فلسطين. الجمع بين الأمرين ليس تسوية رمادية، بل تعبير عن فهم أعمق للمصلحة العربية.

قراءة متوازنة للموقف من إيران

الإنصاف يقتضي عدم السقوط في التبسيط، فإيران ليست صورة واحدة. من جهة، تعرضت لضربة عسكرية مرفوضة من منظور القانون والاستقرار الإقليمي. ومن جهة أخرى، هناك سجل إقليمي لا يمكن تجاوزه في تفسير المخاوف العربية، خصوصاً الخليجية.

هذه الثنائية ينبغي التعامل معها بوعي، لأن تحويل إيران إلى رمز مطلق للمقاومة يغفل وقائع مقلقة، كما أن تصويرها باعتبارها أصل كل تهديد يفضي إلى تشويه أولويات المنطقة.

المنطقة تحتاج خطاباً يرفض العدوان الخارجي، لكنه لا يعطل النقد المشروع للمشروع الإقليمي الإيراني. هذا التوازن ليس محاولة لإرضاء الجميع، بل ضرورة لفهم المشهد كما هو، لا كما تريده الاصطفافات الحادة.

والحقيقة أن كثيراً من سوء الفهم العربي جاء من الإصرار على فرض معسكرين متقابلين، بينما الواقع أكثر تعقيداً، فهناك مساحة واسعة بين التبرئة والإدانة الكاملة، وفي هذه المساحة يمكن بناء موقف عربي أكثر نضجاً.

من خلاف القراءات إلى شراكة في المصير

الخطر الأكبر في هذه اللحظة ليس الحرب وحدها، بل أن تتحول اختلافات القراءة إلى انقسامات عربية صلبة، فالأمن العربي لا يُبنى على تبادل الاتهامات، بل على فهم متبادل للمخاوف والمصالح.

ما يحتاجه العرب اليوم ليس اصطفافاً جديداً، بل إطاراً سياسياً أرحب يعترف بأن أمن الخليج جزء من الأمن العربي، وأن فلسطين أصل هذا الأمن، وأن استقرار المنطقة لا يحتمل إدارة الأزمات بمنطق ردود الأفعال.

هذا يتطلب رؤية عربية تعطي أولوية لثلاثة مسارات: حماية الإقليم من التحول إلى ساحة صراع مفتوح، وتثبيت مفهوم الأمن العربي المشترك، وفتح مسار سياسي يخفف التوتر مع إيران من دون تساهل مع أي تهديد للسيادة العربية.

جوهر القضية أن العرب لا يواجهون تناقضاً بين مبادئهم ومصالحهم، بل يواجهون اختبار القدرة على الجمع بينهما. وإذا كانت لكل دولة زاوية تنظر منها إلى الخطر، فإن المصلحة الاستراتيجية النهائية واحدة.

المنطقة لا تحتاج مزيداً من التعبئة، بل قدراً أعلى من الحكمة، ولا تحتاج من يوسع الفجوات، بل من يبني لغة قادرة على حمل التعقيد من دون خصومة، والاختلاف من دون انقسام. وهذه ربما الرسالة الأهم التي تكشفها هذه الحرب.

*وزير الصحة الأسبق

 

أخبار متعلقة :