بوابة مصر الجديدة

مجلة «الثقافة».. علامة بارزة في تاريخ الصحافة العربية

الدوحة - الراية :

يواصل المركز القطري للصحافة، نشر سلسلة «صحافة حول العالم»، التي تسلط الضوء على نشأة وتطور الصحف والمجلات العربية عبر مراحلها التاريخية المختلفة، مع إبراز أهم التجارب الصحفية التي أسهمت في تشكيل الوعي الثقافي والفكري في العالم العربي، في إطار مشروع توثيقي يهدف إلى حفظ الذاكرة الإعلامية العربية وصون إرثها المعرفي.

وتتناول هذه الحلقة مجلة «الثقافة» المصرية، بوصفها واحدة من أبرز المجلات الثقافية التي لعبت دوراً محورياً في إثراء المشهد الفكري العربي خلال القرن العشرين.

تُعد مجلة «الثقافة» دورية أدبية وثقافية ذات توجه تنويري، اهتمت بالنشر في مجالات الأدب والفلسفة والتاريخ والفكر والتراث والعلوم الإنسانية، إلى جانب الترجمة ومراجعات الكتب. وقد شكّلت منذ صدورها منبراً معرفياً رائداً للحوار الثقافي، وإعادة تشكيل الذائقة الأدبية في مصر والعالم العربي.

امتازت المجلة كذلك بانفتاحها على الثقافة العالمية، إذ نشرت أعمالاً أدبية ودراسات فكرية وترجمات من لغات متعددة، من بينها التركية، والفارسية، والإنجليزية،والفرنسية، والهندية، إضافة إلى مراجعات نقدية للكتب، ما جعلها نافذة مهمة على الفكر الإنساني الحديث.

الصدور الأول

صدر العدد الأول من المجلة في القاهرة يوم 3 يناير 1939 عن «لجنة التأليف والترجمة والنشر»، وبلغ متوسط عدد صفحاتها نحو 65 صفحة لكل عدد. وقد ضم الإصدار الأول نصوصاً أدبية ومقالات نقدية وترجمات متنوعة، فضلاً عن مراجعات كتب ومساهمات لعدد كبير من الكتّاب والمفكرين.

وتميزت المجلة منذ بدايتها بجانب فني لافت، حيث احتوت صفحاتها الأولى على رسوم للفنان التشكيلي محمد حجي، إلى جانب نصوص أدبية لعدد من الأسماء البارزة في المشهد الثقافي العربي، ما عكس طابعها النخبوي ورؤيتها الثقافية المتكاملة.

صاحب الامتياز

ارتبط اسم المجلة ارتباطاً وثيقاً بالمفكر والمؤرخ أحمد أمين، صاحب الامتياز وأحد أبرز مؤسسي مشروعها الفكري. فقد سعى إلى جعلها منصة دائمة للمعرفة الحديثة والبحث الأدبي والترجمة، في مرحلة كانت فيها مصر تعيد صياغة مفهوم المثقف ودوره في المجتمع.

وتولى رئاسة تحريرها في بداياتها محمد عبد الواحد خلاف، قبل أن يتعاقب على إدارتها لاحقاً عدد من الأعلام البارزين، من بينهم يحيى حقي، حسين فوزي، علي الراعي، شكري عياد، وعبدالقادر القط، وهو ما منحها تنوعاً فكرياً وثراءً نقدياً انعكس على محتواها.

الدور الثقافي

قدّمت المجلة محتوى ثقافياً متنوعاً جمع بين المقالات النقدية والدراسات الفكرية والنصوص الأدبية والترجمات، لتتحول إلى أرشيف حي لحركة الفكر والأدب في أربعينيات القرن العشرين، ولعبت دوراً بارزاً في نقل الفكر العالمي إلى القارئ العربي، ومناقشة قضايا المجتمع المصري والعربي برؤية تحليلية تنويرية عميقة.

وأسهمت «الثقافة» في دعم الأدب الاجتماعي، وتشجيع الرواية والمسرح، وفتح مساحات للنقاش حول التيارات الفكرية والسياسية الحديثة، ما جعلها منبراً أساسياً للحوار الثقافي في تلك المرحلة.

التوقف وإعادة الإصدار

استمرت المجلة في الصدور بشكل منتظم منذ عام 1939 حتى توقفت عام 1953، حيث صدر عددها الأخير في 5 يناير من العام ذاته. ثم عادت للصدور مجدداً في 3 يناير 1957 بقرار من وزير الإرشاد آنذاك فتحي رضوان، بإدارة تحريرية برئاسة محمد عوض محمد، لتستأنف دورها الثقافي.

بيد أن مسيرتها لم تخلُ من التحديات، إذ توقفت مجدداًفي أكتوبر 1971 ضمن ما عُرف بـ «مذبحة المجلات»، وهي مرحلة شهدت إغلاق عدد من الدوريات الثقافية في مصر، ما أثار جدلاً واسعاً حول مستقبل الصحافة الفكرية ودورها في تلك الفترة.

الإرث الصحفي

رغم التوقفات المتعاقبة، بقيت مجلة «الثقافة» علامة بارزة في تاريخ الصحافة الثقافية العربية، إذ شكلت جسراً بين التراث والحداثة، وأسهمت في ترسيخ قيم التنوير والعقلانية، ودعم مختلف أشكال الإبداع الأدبي من رواية ومسرح وأدب اجتماعي.

وقدمت رؤى فكرية حول التيارات الفكرية والسياسية الحديثة، وأسهمت في ربط الثقافة المصرية بالتيارات العالمية، لتظل شاهداً على مرحلة مفصلية من تاريخ الثقافة العربية، وتجسيداً لدور الصحافة في بناء الوعي وصناعة التحول الفكري والاجتماعي.

أخبار متعلقة :