بوابة مصر الجديدة

سوريون يهربون إلى “الفلاتر” والصورة الرقمية

عنب بلدي – شعبان شاميه

لا يمكن النظر إلى ظاهرة “الكمال الافتراضي” في السياق السوري بوصفها امتدادًا مباشرًا لما يحدث عالميًا فقط، بل هي ظاهرة متداخلة مع واقع اجتماعي معقد تشكّل بفعل الحرب والهجرة والانهيار الاقتصادي وتغير البنى القيمية.

وتحولت وسائل التواصل الاجتماعي إلى مساحة بديلة للهوية، ومنبر لإعادة تعريف الذات والنجاح والجمال، في ظل تراجع الفرص الواقعية وتحطم كثير من الأطر التقليدية التي كانت تمنح الشباب الإحساس بالاستقرار والمعنى.

قال “مؤيد” (اسم مستعار) من مدينة جبلة بريف محافظة اللاذقية لعنب بلدي، إنه دائمًا ما كان يبحث عن الكمال إرضاء لمعايير الجمال الاجتماعي، مشيرًا إلى أن وسائل التواصل كانت الفضاء الوحيد الذي وجد فيه مساحة من الأمان الشخصي، بعيدًا عن آراء الآخرين وانتقاداتهم.

وتحدث “مؤيد” (32 عامًا)، الذي يعمل مهندسًا في إحدى الدوائر الحكومية، حول اكتشافه أن الغوص العميق في ذلك الفضاء الإلكتروني كان تجربة خطيرة، لم يدرك آثارها إلا بعد فوات الأوان، على حد قوله.

وذكر أن “الفلاتر” التي كانت تحقق معايير جمالية مُرضية بالنسبة إليه قبل سنوات، لم تعد مقنعة، إذ توجه إلى الاعتماد على المساحيق التجميلية، واليوم بات يفكر جديًا بعمليات التجميل وينتظر تحسن ظروفه المادية، مؤكدًا أنها العائق الوحيد الذي يحول دون إجرائه لهذه العمليات.

من جهتها، قالت “تمارة” (اسم مستعار أيضًا)، من سكان مدينة دمشق، لعنب بلدي، إنها تعيش حياة شبه مستقرة في منزلها، إلا أن ذلك لا يتعدى كونه صورة اجتماعية، إذ تلجأ إلى مواقع التواصل لتعيش حياة مغايرة نوعًا ما هربًا من واقع لم تتمنَّه يومًا.

وترى “تمارة” (37 عامًا) في إطراءات المتابعين لها عبر “فيسبوك” و”إنستجرام” إشباعًا لفراغ موجود في علاقتها الزوجية، إذ إن المديح بجمالها وإن كان مصطنعًا عبر “فلاتر” من قبل غرباء صار كـ”الخبز في يومياتها”، بحسب وصفها.

ولفتت السيدة التي شارفت على سن الـ40 إلى أنها تخوض أحاديث يومية مع متابعين عن جوانب مفقودة في شخصيتها أو حياتها، مشيرة إلى أنها تصدّر نفسها بمظهر “الأنثى الناصحة” لسد النقص الذي تعيشه إن كان مع زوجها أو حتى مع أولادها، الذين ترى أنها فشلت بالتعامل معهم وتربيتهم أحيانًا.

أسباب ودوافع نفسية واجتماعية

تعد الهشاشة النفسية الجماعية من أبرز الأسباب والدوافع للتوجه نحو الكمال بطريقة مزيفة، وفق ما ذكرته الاستشارية النفسية الأسرية الدكتورة هبة كمال العرنوس، في حديث إلى عنب بلدي، إذ إن سنوات طويلة من الصدمات الجماعية خلقت مستويات مرتفعة من القلق، والشعور بعدم الأمان، وانخفاض تقدير الذات، ما يجعل الشباب أكثر قابلية لمقارنة أنفسهم بالآخرين بحثًا عن قيمة خارجية.

إضافة إلى ذلك، هناك ثقافة المقارنة المستمرة، حيث تروّج الخوارزميات الرقمية صورًا نمطية للجمال والنجاح، وتجعل المقارنة آلية قهرية لا واعية، وفق العرنوس، إذ يُقاس الإنسان بعدد الإعجابات والمتابعين.

وتابعت الاستشارية أنه في ظل غياب نماذج واقعية للنجاح وانسداد الأفق المهني والاجتماعي، تصبح الصورة الرقمية بديلًا عن الإنجاز الحقيقي، ويغدو الظهور بمظهر الناجح أكثر أهمية من أن تكون ناجحًا فعلًا.

وأشارت العرنوس إلى أن هناك ضغطًا اجتماعيًا مضاعفًا على الشابات، إذ تواجه المرأة السورية تداخلًا معقّدًا بين معايير تقليدية صارمة وأخرى عصرية استهلاكية، ما يعزز الرغبة بالسعي للكمال الجسدي والاجتماعي.

وأضافت الاستشارية أن الحاجة للاعتراف والقبول تعتبر من الدوافع الاجتماعية والنفسية لهذه الظاهرة، إذ يعمل الإعجاب الرقمي كمكافأة نفسية سريعة تعوض نقص الاعتراف الواقعي، لكنه يُدخل الفرد في حلقة إدمانية.

الأثر على مفاهيم الجمال والنجاح

أوضحت الاستشارية في حديثها لعنب بلدي الآثار على مستويات مختلفة:

على المستوى النفسي

  • ارتفاع معدلات القلق والاكتئاب واضطرابات صورة الجسد.
  • الشعور الدائم بعدم الكفاية والفشل مهما بلغ الإنجاز.
  • انفصال تدريجي بين الذات الحقيقية والذات المعروضة.
  • ازدياد السلوكيات القهرية (تعديل الصور، الهوس بالمظهر، التحقق المستمر من التفاعل).

على المستوى الاجتماعي

• تآكل العلاقات الأصيلة لمصلحة علاقات استعراضية.
• تطبيع الزيف الاجتماعي وتلميع المعاناة.
• إعادة إنتاج الفوارق الطبقية بصورة جمالية “ناعمة”.

تشويه مفاهيم الجمال والنجاح

الجمال يتحول إلى قالب موحد ومستورَد، والنجاح يختزَل في المظهر والسفر والاستهلاك، لا في القيم أو التأثير أو المعنى.

وقالت الاستشارية، إن السعي إلى “الكمال الافتراضي” ينعكس على الصحة النفسية والجمالية وهوية المجتمع، إذ يسهم هذا النمط على المدى الأوسع في:

  • إضعاف المناعة النفسية المجتمعية، حيث يصبح المجتمع أكثر هشاشة أمام النقد والفشل.
  • طمس الخصوصية الجمالية السورية لمصلحة معايير عابرة للثقافات.
  • خلق فجوة بين الأجيال وبين الريف والمدينة.
  • تآكل الهوية الثقافية لمصلحة هوية رقمية هجينة ومعلّبة.

ولفتت إلى أن أخطر ما في “الكمال الافتراضي” أنه ينتج مجتمعًا يبدو بخير لكنه متعب من الداخل.

حلول وتوصيات مقترحة

تحدثت الدكتورة العرنوس عن مجموعة من الحلول والتوصيات على مستويات عدة:

على المستوى الفردي

• تعزيز الوعي بالصحة النفسية ومفهوم “الذات غير المشروطة”.
• تدريب الشباب على التفكير النقدي تجاه المحتوى الرقمي.
• إعادة تعريف النجاح بوصفه مسارًا لا صورة.

على المستوى الأسري والتربوي

• بناء خطاب داعم غير قائم على المقارنة.
• إدخال التربية الرقمية والنفسية في المدارس والجامعات.
• تشجيع التعبير عن المشاعر بدل تجميلها.

على المستوى الثقافي والإعلامي

• دعم محتوى واقعي وصادق وغير مثالي.
• إبراز نماذج نجاح محلية متنوعة.
• فتح نقاشات عامة حول أثر “السوشال ميديا” على الصحة النفسية.

على المستوى المهني

• تمكين اختصاصيي الصحة النفسية من لعب دور ثقافي توعوي.
• توفير مساحات آمنة للحوار والدعم النفسي.

كما طرحت الاستشارية مجموعة من التوصيات للحد من تأثير “الكمال الافتراضي”:

على المستوى النفسي الفردي

  • فصل القيمة الذاتية عن الصورة الرقمية: من خلال تعزيز الوعي بأن عدد المتابعين أو الإعجابات لا يعكس القيمة النفسية أو الإنسانية للفرد، بل هو مؤشر تقني تحكمه خوارزميات لا معايير إنسانية.
  • تنمية الوعي بالذات الحقيقية: يُنصح بتشجيع الشباب على ممارسة أنشطة تعزز الاتصال بالذات الواقعية (الكتابة، الفن، العمل التطوعي، الرياضة)، بعيدًا عن التقييم الخارجي.
  • التعامل النقدي مع المحتوى: تدريب العقل على طرح أسئلة مثل: ما الذي لا يظهر في هذه الصورة؟ ما الذي تم تعديله أو إخفاؤه؟ هذا الوعي يقلل من أثر المقارنة القهرية.
  • تنظيم الاستخدام الرقمي: تحديد أوقات خالية من وسائل التواصل، خاصة قبل النوم، لما لذلك من أثر مباشر على المزاج وصورة الذات.
  • الاعتراف بالمشاعر السلبية دون جلد الذات: القلق أو الغيرة أو الإحباط مشاعر طبيعية، المشكلة ليست في وجودها بل في إنكارها أو تغليفها بصورة مثالية زائفة.

توصيات أسرية وتربوية

• خطاب داعم غير قائم على المقارنة: على الأهل والمربين الامتناع عن المقارنات الشكلية أو الاجتماعية، والتركيز بدلًا من ذلك على الجهد والقيم والتطور الشخصي.
• تعليم مهارات التربية الرقمية: إدخال مفاهيم مثل التلاعب البصري والصورة المعدّلة واقتصاد الانتباه إلى الخطاب التعليمي والثقافي.
• خلق مساحات آمنة للتعبير: إتاحة المجال للشباب للتعبير عن مخاوفهم وضغوطهم دون سخرية أو تقليل من شأنها.

توصيات ثقافية وإعلامية

  • تشجيع المحتوى الواقعي والصادق: دعم المبادرات التي تُظهر الإنسان بتجربته الكاملة، لا فقط بنسخته المثالية.
  • تنويع نماذج الجمال والنجاح: إبراز أشكال متعددة للجمال السوري (العمري، الجسدي، الثقافي)، ونماذج نجاح لا تعتمد على المظهر أو الرفاهية.
  • تفكيك الخطاب المثالي السائد: على الإعلام والمجلات الثقافية لعب دور نقدي في كشف أثر “الكمال الافتراضي” على الصحة النفسية.

على مستوى الصحة النفسية والمجتمع

  • دمج الصحة النفسية في الخطاب العام: التعامل مع القلق واضطرابات صورة الجسد كقضايا مجتمعية لا فردية أو “ترف نفسي”.
  • تعزيز الوصول إلى الدعم النفسي: توفير خدمات نفسية منخفضة التكلفة أو مجانية، خاصة للشباب والشابات.
  • تأهيل اختصاصيي الصحة النفسية للعمل الرقمي:

تطوير مهارات التعامل مع آثار “السوشال ميديا” النفسية ضمن الإرشاد والعلاج.

  •  إعادة تعريف مفهوم الكمال: الكمال ليس غياب النقص، بل القدرة على التكيف والمرونة والعيش بسلام مع الذات.

وختمت العرنوس بأن السعي للكمال الافتراضي ليس خللًا فرديًا بقدر ما هو عرض نفسي- ثقافي لمرحلة انتقالية يعيشها المجتمع السوري، موضحة أن المطلوب اليوم ليس رفض وسائل التواصل الاجتماعي، بل إعادة أنسنتها، وإعادة الاعتبار للقيمة الإنسانية غير المشروطة، حيث يكون الإنسان كافيًا بذاته، قبل أي “فلتر” وأي إعجاب.