بوابة مصر الجديدة

العلوم الأساسية فى اقتصاد وحكم الدول الصناعية

اشترك لتصلك أهم الأخبار

أتشرف بعضوية مجموعة عمل تابعة للجمعية الفيزيائية الأمريكية. هذه مؤسسة معنية بدعم البحث والتعليم فى مجال الفيزياء، والتواصل مع الجمهور العام لتعريفه «بالدور الأساسى الذى يلعبه علم الفيزياء فى العالم الحديث».. وتصدر دوريات دولية مهمة مثل الفيزيكال ريفيو، وفيها نشرت الكثير من الأبحاث التى نتجت عنها جوائز نوبل فى الفيزياء.

اللجنة التى تمت دعوتى للمشاركة فيها معنية بكيفية دعم فرص العمل للحاصلين على الدكتوراه فى مجال مسمى بفيزياء الطاقات العالية، وهو قريب من اهتماماتى البحثية.. لكن لأنى أقيم فى مصر منذ فترة، ولم أعمل بشمال أمريكا منذ أكثر من عقد من الزمن، ترددت فى الرد ثم حاولت الاعتذار، شارحا أنى بعيد عن تفاصيل الموضوع، فحتى تعاونى العلمى الدولى خلال العقد الماضى كان معظمه مع زملاء أوروبيين.. مع ذلك، طلب منى رئيس اللجنة قبول الدعوة، موضحا أنهم يريدون الاستفادة من رؤية من ينظر للأوضاع من الخارج، والحصول على إسهامات وتصورات من أساتذة الفيزياء فى مختلف أنحاء العالم (ويمكن مقارنة ذلك بالعقلية المتحفظة، بل والمتحفزة، من أخذ المشورة الأجنبية فى مصر، رغم حاجتنا الأمس إليها).

مهمة اللجنة المذكورة تتعلق بالأزمة الآتية. فى «أمريكا والدول المتقدمة» هناك فرص عديدة للحصول على منح لدراسة الدكتوراه فى مجالات علمية تحرك خيال وحماس الشباب؛ مواضيع مثل فيزياء الطاقات العالية، المعنية بخواص المادة وتفاعلاتها على طاقات تناهز التى كانت سائدة فى بدايات الكون.. لكن رغم كثرة منح الدراسات العليا، وكذلك فرض «الزمالة» بعد الدكتوراه، هناك عنق زجاجة يقابل من يريد الحصول على وظيفة دائمة فى جامعة أو مؤسسة بحثية.. الفرص تكاد تكون منعدمة فى هذه المجالات: من بين كل عشرين من الحاصلين على الدكتوراه يتمكن حوالى واحد منهم فقط من الحصول على وظيفة دائمة تتيح له استكمال أبحاثه، فالوظيفة الأكاديمية لا تأتى عن طريق التعيين كمعيد بعد البكالوريوس، أنما بعد مشوار شاق يمر بالدكتوراه وتجارب «الزمالات»، ثم فترة اختبار طويلة كعضو هيئة تدريس.. المشوار عادة ما يأخذ خمسة عشر سنة أو أكثر بعد البكالوريوس، ويتم خلاله تصفية الأغلبية العظمى من الخريجين لخارج المجال الأكاديمى، ولا يبقى عادة إلا من تمكن من حفر اسم له فى المجتمع العلمى العالمى.

عملية الخروج من المجال الأكاديمى، بعد سنين طويلة داخلة، ليست بالسهلة. التعامل مع العالم خارج البرج العاجى أكثر قسوة بكثير، والأسئلة التى يسألها عالم الشركات الخاصة تختلف عن تلك التى تعود عليها الباحثون فى تفاعلات جسيمات المادة الأولية وعلاقتها بخواص الكون على أكبر الإبعاد.. لكن، لحسن حظ، اقتصاد الدول الصناعية فيه مساحة واسعة لاستيعابهم والاستفادة من الخبرات التى اكتسبوها خلال سنوات البحث.. ولجنة الجمعية الفيزيائية الأمريكية التى وجدت نفسى فيها مهمتها الأساسية سرد تلك المساحة وتعريف الخريجين بها (فى داخل وخارج الولايات المتحدة)، وتحضيرهم لاستغلالها ومعرفة كيفية تقديم أنفسهم فيها.

المساحة تشمل على سبيل المثال شركات «هاى تيك»، مثل جوجل وابل واوراكل، التى تستغل خبرات بعض الفيزيائيين الفائقة فى البرمجيات والتعامل مع احجام عملاقة من البيانات.. وتشمل ايضا قطاع الأموال والبرصة، الذى يستغل معرفتهم بتحليل المعطيات باستخدام الطرق الإحصائية والديناميكية. بالإضافة للقطاع الحكومى والعسكرى، الذى يستفيد من خبراتهم العملية كما فى القطاع الخاص، بالإضافة لتعيينهم كمستشارين فى مجالات علمية ولوجستية وتكنولوجية عدة.

فى مقالات قادمة سأحاول شرح نطاق تلك المساحة التى لا يدرك أهميتها الكثير فى مصر، حيث ما زالت تسود فكرة أنه لا علاقة مباشرة للعلوم الأساسية بقدرة الأمم على منافسة غيرها.

  • الوضع في مصر

  • اصابات

    94,078

  • تعافي

    39,638

  • وفيات

    4,805