بوابة مصر الجديدة

فوضى قرارات وزير التعليم

في أي دولة تريد أن تبني مستقبلها، يجب أن يكون التعليم من أكثر الملفات استقرارًا، لأن ما يحدث داخل المدرسة لا يتوقف عند حدودها، بل يصل إلى كل بيت، ويؤثر في الطفل والأسرة والمجتمع كله.

لكن ما يحدث في التعليم في مصر خلال الفترة الأخيرة لم يعد مجرد شكاوى من صعوبة المناهج أو كثرة الواجبات والتقييمات. نحن أمام قرارات متلاحقة، وتغييرات سريعة، وأعباء تتزايد على الطالب والمعلم والأسرة، دون أن يكون هناك وقت كافٍ لفهم هذه التغييرات أو الاستعداد لها.

 

المشكلة أن التطوير أصبح في بعض الأحيان يبدو منفصلًا عن الواقع. فهناك فرق كبير بين تطوير التعليم على الورق، وبين ما يعيشه الطالب داخل الفصل، وما يواجهه المعلم كل يوم، وما تتحمله الأسرة في المنزل.

 

كأب أعيش هذه التفاصيل يوميًا، بين ابن يخوض تجربة البكالوريا، وابن آخر في الصف الثالث الإعدادي وابنة في الصف الثاني الإعدادي، أرى عن قرب حجم الضغط الذي أصبحت تعانيه الأسر. لم تعد عطلة نهاية الأسبوع تعني راحة حقيقية للطلاب، ولم تعد هناك مساحة كافية للعب أو ممارسة الرياضة أو الجلوس مع الأسرة.

 

تقييمات مستمرة، وواجبات كثيرة، ودروس، ومذاكرة، وضغط لا يتوقف. والنتيجة أن الطالب قد يجد نفسه مشغولًا طوال الوقت، لكن من دون أن يشعر بالمتعة أو الرغبة في التعلم. وهنا يجب أن نسأل: هل الهدف من التعليم أن نحشو عقل الطالب بأكبر قدر ممكن من المعلومات، أم أن نساعده على الفهم والتفكير واكتساب المهارات؟

 

المناهج الجديدة، خاصة في المرحلة الابتدائية والبكالوريا، تحتاج إلى مراجعة هادئة وليس قرارات ارتجالية عاصفة من السيد وزير التعليم محمد عبداللطيف. فالطالب لا يبدأ كل مرحلة من الصفر، وإنما يبني كل عام على ما تعلمه في السنوات السابقة. 

وإذا لم يكن هناك ترابط واضح بين المناهج، يصبح الطالب أمام كميات كبيرة من المعلومات، ويجد نفسه مضطرًا إلى الاعتماد أكثر على الدروس الخصوصية حتى يستطيع مواكبة المطلوب منه، وهو ما يحدث حاليًا بالفعل فقد ازدادت الدروس الخصوصية على عكس ما يروج السيد الوزير ومعه إعلام الوزارة.

 

والأخطر من ذلك هو توقيت بعض القرارات التي يتخدها عبداللطيف؛ فكيف يمكن أن يبدأ العام الدراسي، ويستقر الطلاب على طريقة معينة في الدراسة، وتطبع الكتب، ثم يتم تغيير شكل امتحان اللغة الإنجليزية لطلاب الصفين الأول والثاني الإعدادي فجأة بقرار وزاري ليصبح الجزء الأكبر منه مقاليًا، وقبل امتحانات الشهر بأيام قليلة؟

 

الطالب هنا ليس آلة يمكنها تغيير طريقة تفكيرها بين يوم وليلة. والمعلم أيضًا يحتاج إلى وقت حتى يشرح ويدرب طلابه على أي نظام جديد.

الأمر نفسه ينطبق على طلاب البكالوريا والثانوية العامة، الذين يواجهون امتحانات تحدد مستقبلهم. وعندما يتم الإعلان عن امتحان يتكون من 50% أسئلة مقالية و50% اختيار من متعدد، من دون توفير نماذج استرشادية كافية توضح شكل الأسئلة وطريقة الإجابة، فإن الطالب وأسرته سيظلان في حالة قلق دائم.

 

نحن لا  نرفض التطوير، بل العكس تمامًا نحن نريد تطويرًا حقيقيًا، لكن التطوير يحتاج إلى دراسة، وتجربة، وتدرج، واستماع إلى الناس الذين يعيشون المشكلة يوميًا، وليس قرارات فوقية من رجل واحد.

 

وهنا يأتي دور المعلم.. لا يمكن أن نتحدث عن تطوير التعليم ونضع المعلم في آخر القائمة. فالمعلم هو الشخص الذي يرى الطالب أمامه، ويعرف أين يتوقف عن الفهم، وما الذي يصعب عليه، وما الذي يناسب سنه، وما الذي يحتاج إلى تعديل.

 

المعلم الخبير والموجه الذي أمضى سنوات طويلة داخل المدارس يجب أن يكون جزءًا أساسيًا من تقييم المناهج. والاستماع إلى رأيه لا يعني تعطيل التطوير، بل يساعد على إنجاحه،  فمن يعرف احتياجات الطالب أكثر من الشخص الذي يقف أمامه كل يوم؟

 

التعليم لا ينجح بالقرارات وحدها، ولا بكثرة التغييرات، ولا بكثرة الامتحانات. التعليم يحتاج إلى هدوء واستقرار ووضوح، ويحتاج إلى أن يشعر الطالب أن المدرسة مكان للتعلم وليس مصدرًا دائمًا للضغط على وقع قرارات متوالية تصيب المعلمين وأولياء الأمور والطلاب بالارتباك.

 

ونتمنى على السيد الوزير أن يستمع أكثر إلى الطلاب وأولياء الأمور والمعلمين، وأن يضع يده على حجم ردود الأفعال والغضب من قراراته من كافة أطراف العملية التعليمية بعيدًا عما يصله من “شلة الوزارة” وأن يمنح أي قرار جديد الوقت الكافي من الدراسة ثم يمنح الجميع مساحة زمنية حتى يفهموه ويستعدوا له؛ فالأسرة المصرية لا تطلب المستحيل. هي تريد أن يحصل أبناؤها على تعليم متميز، دون أن تتحول سنوات الدراسة إلى سنوات من القلق والضغط الإرهاق.

تطوير التعليم لا يقاس بعدد القرارات التي تصدر، ولا بعدد المناهج التي تتغير، وإنما بما يخرج به الطالب من المدرسة من علم وفهم وشخصية وقدرة على التعامل مع الحياة..

باختصار: أبناؤنا ليسوا حقلًا للتجارب.. والتعليم يحتاج إلى تطوير بالتأكيد، لكنه يحتاج قبل كل شيء إلى عقل هادئ، وقرار مدروس، واستماع حقيقي لمن يعيشون التجربة كل يوم.

أخبار متعلقة :