وقفت «غادة» ذات الثلاثين ربيعًا مُرتكنة بجسدها النحيل إلى جدار مُتهالك، على مقربة من مكتب تسوية المنازعات الأسرية بمحكمة البساتين، كانت ترتدى ملابس أنيقة وترتسم على ملامح وجهها الخمرى علامات الإصرار والتجهم، وتمسك بيدها ورقة بيضاء مدونا أعلاها «طلب تسوية».
وبعينين تطل منهما نظرات مُتعبة أخذت الزوجة تتصفح جيدًا خانات طلب تطليقها من زوجها طلقة بائنة للخلع مقابل تنازلها عن كافة حقوقها المالية والشرعية ورد مقدم الصداق المُبرم فى عقد الزواج، قبل أن تدون بياناتها وبيانات زوجها، وتعيدها مرة أخرى إلى أعضاء المكتب لإرفاقها بملفها واستدعاء زوجها لمحاولة الصلح بينهما وإنهاء نزاعهما ودياً قبل إحالة طلبها إلى المحكمة لتفصل هى فى الأمر.
تقول الزوجة فى بداية حديثها: «كنت أظن أننى على علم بصفات زوجى وطباعه جيدًا بحكم أننا جيران منذ سنوات طويلة وكنا نرتاد نفس المدرسة ونحن صغار، لكنى كنت مخطئة فالشخص الذى عرفته وأحببته كان رجلًا قوى الشخصية أو كما كان يخيل لى ويبدو أمامنا دائمًا ليدارى ضعفه
وانعدام شخصيته أمام عائلته المفككة، وعجزه عن اتخاذ أى قرار دون الرجوع إليهم، فهم من كانوا يمسكون بزمام أمره ويحددون له معالم حياته، والحقيقة أنه كان ماهرًا فى تجسيده».تتابع الزوجة سرد روايتها وهى تكمل تدوين بياناتها فى طلب التسوية: «ولقلة خبرتى وقتها لم أكتشف حقيقة زوجى إلا بعد الزواج واقترابى منه ومن أهله، وتعرفى على شكل وطبيعة معاملتهم له، ويبدو أن هذا أزعجه وأربك حساباته وبات يخشى أن تنهار صورته الزائفة فى نظرى، فبدأ يضيق الخناق على ويسعى لفرض مزيد من السيطرة على لتعويض نقصه، ويرفض أى طلب لى دون سبب لمجرد الرفض وإثبات رجولته فقط، ويتلذذ بإهانتى وسبى والاعتداء عليَّ».
وأضافت: «رغم ذلك صبرت وحاولت أن أتعامل مع شخصيته المريضة، فقد كنت دائمًا أشعر بأنه فى حاجة إلى مساعدة لكنه تمادى، ويا ليته اكتفى
بذلك بل اكتشفت أثناء عبثى بهاتفه أنه يخوننى مع فتاة كانت تربطه بها صعلاقة فى الماضى، وعندما واجهته بخيانته لم ينكر، وتعهَّد لى بقطع علاقته بها تجنبًا للصدام مع أهلى، وأقسم لى أنها مجرد نزوة، فتغاضيت عن جرمه وسامحته».تنهى الزوجة الثلاثينية حديثها وهى تنتهى من ملء طلبها وبصوت متماسك تقول: «لكن ما لم أستطع تجاهله أو تحمله هو استقباله لأصدقائه من الجنسين فى بيتى وسهرهم حتى أوقات متأخرة من الليل، يتسامرون ويشربون ويضحكون، وعندما اعترضت على ذلك قال: «صحابى يعنى صحابك عادي»، نزلت كلماته على كالصاعقة، وأدركت وقتها كم هو رجل بلا شرف ولا نخوة، فهرعت إلى أهلى وسردت لهم أفعال زوجى، فأصروا على تطليقى منه لكنه رفض تطليقى، وكأنه يصر على العقاب، وإثبات رجولته معى أنا، وأنا فقط، حاولت مراراً وتكراراً كى أنجو بنفسى من مستنقع زوجى ومن الشقة التى تحولت إلى ملهى ليلى أو خمارة طوال الليل، وواصل رفضه وعناده ولم يكن أمامى سوى الحضور، كما أنت ترانى الآن لأحصل على حريتى وحياتى عن طريق خلعه، نعم أريد أن أخلعه، حتى لا يستطيع إعادتى مرة أخرى، إنه لا يستحق أن أبقى معه ولو يوم جديد من حياتى، إنه ليس برجل وأنا أريد رجلاً».






