وراء طفرة الذكاء الاصطناعي التي تعيد تشكيل الاقتصاد العالمي تقف شركة لا تصمم معظم الرقائق التي تحمل أسماء أكبر شركات التكنولوجيا، لكنها تصنعها؛ شركة تايوان لتصنيع أشباه الموصلات، المعروفة اختصارًا بـTSMC، التي تحولت خلال أقل من 4 عقود من تجربة صناعية في تايوان إلى واحدة من أهم نقاط الاختناق في الاقتصاد الرقمي العالمي.
حسب شركة ديل روم المتخصصة في بيانات الشركات الناشئة، بدأت قصة TSMC من رؤية موريس تشانج، الذي راكم خبرة طويلة في صناعة أشباه الموصلات خلال عمله في شركة Texas Instruments، قبل أن ينتقل إلى تايوان ويقود معهد أبحاث التكنولوجيا الصناعية هناك.
وكانت الفكرة التي طرحها بسيطة في ظاهرها وثورية في نتائجها، وهو: ليس من الضروري أن تكون الشركة التي تصمم الرقاقة هي نفسها التي تصنعها.
وتوضح شركة ديل روم أن هذا النموذج قاد إلى تأسيس TSMC عام 1987 باعتبارها مصنعًا مستقلًا يصنع الرقائق لصالح شركات أخرى من دون منافستها في تصميم المنتجات. ومع تطور النموذج، أصبح بإمكان شركات مثل NVIDIA وQualcomm التركيز على التصميم، بينما تتولى TSMC الجزء الأصعب والأكثر تكلفة من العملية.
73% من سوق المصانع المستقلة
وفق شركة TSMC، صنعت الشركة خلال 2025 نحو 12682 منتجًا باستخدام 305 تقنيات مختلفة لصالح 534 عميلًا، بينما تجاوزت الطاقة السنوية التي تديرها 17 مليون رقاقة مكافئة لـ12 بوصة، ما يعكس حجم المنظومة الصناعية التي بنتها الشركة على مدار عقود.
وتكشف شركة كونتر بوينت ريسيرش المتخصصة في أبحاث أسواق التكنولوجيا والاتصالات، أن TSMC استحوذت على 73% من سوق مصانع الرقائق المستقلة عالميًا في الربع الثاني من 2026، مقابل 7% لشركة سامسونج و5% لشركة SMIC الصينية، وتزامنت هذه الهيمنة مع نمو سوق التصنيع المستقل للرقائق بنسبة 29% سنويًا، مدفوعًا خصوصًا بالطلب على رقائق الذكاء الاصطناعي.
الذكاء الاصطناعي جعل المصنع نفسه أصلًا استراتيجيًا
حسب شركة ستوك ريسيرش إيه آي المتخصصة في التحليل المالي والتكنولوجي، أصبحت الحوسبة عالية الأداء، التي تشمل جانبًا رئيسيًا من رقائق الذكاء الاصطناعي، المحرك الأكبر لإيرادات TSMC، بينما شكلت تقنيات 7 نانومتر وما دونها 77% من إيرادات الرقائق خلال الربع الثاني من 2026.
وتشرح شركة كودر إيه آي المتخصصة في تحليلات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي أن تفوق TSMC لا يمكن اختزاله في امتلاك معدات حديثة، فتصنيع الرقائق المتقدمة يتطلب غرفًا فائقة النظافة وأنظمة دقيقة للمياه والطاقة والحرارة وآلاف الخطوات التصنيعية وسلسلة ضخمة من الموردين والأهم سنوات من الخبرة المتراكمة في رفع الإنتاجية وتقليل العيوب.
وتكمن إحدى أصعب نقاط تقليد التجربة، إذ يمكن شراء المعدات، لكن لا يمكن شراء منحنى التعلم المتراكم بنفس السرعة، فالوصول إلى إنتاج ملايين الرقائق بمعدلات جودة مرتفعة يحتاج إلى خبرة تشغيلية تتكون مع الوقت ومن خلال آلاف دورات التصنيع.
سامسونج تلاحق ولكن الفجوة ليست تقنية فقط
تحاول شركة سامسونج للإلكترونيات المتخصصة في الإلكترونيات وأشباه الموصلات، تضييق الفجوة من خلال تحسين إنتاجية تقنية 2 نانومتر، بجانب تطوير أجيال جديدة من تقنيات البوابات المحيطة بالترانزستور وتحسين استهلاك الطاقة وإدارة الحرارة.
لكن أرقام السوق التي ترصدها شركة كونتر بوينت ريسيرش المتخصصة في أبحاث أسواق التكنولوجيا والاتصالات، تكشف أن المنافسة لا تزال غير متكافئة؛ فوجود سامسونج في المركز الثاني بحصة 7% فقط مقابل 73% لـTSMC يعني أن التحدي لا يتعلق بإثبات القدرة على تصنيع رقاقة متقدمة، وإنما بتحويل تلك القدرة إلى إنتاج واسع وعملاء متنوعين وإنتاجية مستقرة وسلسلة توريد متكاملة.
الصين تحاول كسر الحاجز من اتجاه آخر
أما شركة إس إم آي سي الصينية المتخصصة في تصنيع أشباه الموصلات، فتمثل رأس الحربة الصناعية للصين في محاولة تقليص الاعتماد على الخارج. ووفق شبكة دويتشه فيله الألمانية المتخصصة في الأخبار والتحليلات الدولية، أظهر تفكيك هاتف Huawei Mate 60 Pro في 2023 استخدام معالج Kirin 9000s بتقنية 7 نانومتر، في تطور مهم رغم القيود الأمريكية على معدات تصنيع الرقائق المتقدمة.
لكن الشبكة أوضحت أن إنتاج رقاقة متقدمة لا يعني امتلاك القدرة على إنتاجها بكميات ضخمة وبإنتاجية مرتفعة، وهي النقطة التي لا تزال تمثل تحديًا أمام الصين مقارنة بتجربة TSMC.
وفي الاتجاه نفسه، تحاول شركة هواوي الصينية المتخصصة في الاتصالات والتكنولوجيا، تجاوز بعض القيود عبر تغيير قواعد اللعبة نفسها، ووفق وكالة رويترز للأنباء، تطور هواوي مفاهيم مثل "LogicFolding" و"Tau Scaling Law"، التي تركز على تحسين حركة البيانات وكفاءة النظام وتكديس الدوائر بدل الاعتماد فقط على تصغير حجم الترانزستورات.
وتوضح شبكة إن بي سي نيوز الأمريكية، أن هواوي تستهدف الوصول بحلول 2031 إلى كثافة ترانزستورية تعادل مستوى 1.4 نانومتر، لكنها لم تقدم بيانات مستقلة تثبت أداء هذه التكنولوجيا، فيما تظل مشكلات التكلفة والطاقة والحرارة وتكامل الأنظمة قائمة.
لماذا لا يستطيع العالم استنساخ TSMC؟
وفق شركة ستيوارد كابيتال المتخصصة في أبحاث وإستراتيجيات الاستثمار، أصبحت TSMC أشبه بـ"احتكار للتفوق" وليس احتكارًا قانونيًا، فالميزة التي بنتها الشركة تقوم على تداخل التكنولوجيا مع الخبرة البشرية والإنتاجية وحماية الملكية الفكرية وثقة العملاء والتغليف المتقدم وشبكة الموردين.
وتؤكد شركة كودر إيه آي المتخصصة في تحليلات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، أن إنشاء مصنع جديد لا يعيد إنتاج المنظومة التايوانية تلقائيًا، فالمصنع يحتاج إلى معدات متقدمة ومهندسين وموردين ومياه وطاقة موثوقة ومعرفة تشغيلية وعملاء يملأون خطوط الإنتاج وسنوات من تحسين معدلات الإنتاجية.
من مصنع تايواني إلى ورقة جيوسياسية
وتوضح TSMC أن الشركة وسعت بصمتها خارج تايوان عبر مصانع في الولايات المتحدة واليابان، كما بدأت إنشاء منشأة متخصصة في ألمانيا، في محاولة لتنويع الإنتاج وتقليل مخاطر التركيز الجغرافي.
لكن موقع جورال جومروك المتخصص في شئون التجارة والصناعة، يرى أن أهمية الشركة تجاوزت القطاع التكنولوجي نفسه، لأن أشباه الموصلات أصبحت عنصرًا أساسيًا في الذكاء الاصطناعي والاتصالات والسيارات والدفاع والاقتصاد الرقمي.
لم تعد المعركة العالمية تدور فقط حول من يمتلك أفضل تصميم للرقاقة، بل حول من يستطيع تصنيع ملايين النسخ منها بسرعة وبجودة، وبكفاءة، وفي التوقيت الذي يحتاجه السوق.
وفي هذه المعادلة تحديدًا، لا تزال TSMC تمتلك أفضلية يصعب على المنافسين اختصارها في مصنع جديد أو آلة أحدث، لأنها بنت عبر أربعة عقود منظومة صناعية كاملة وأصبح العالم الرقمي نفسه يعتمد عليها بقدر يفوق ما يوحي به اسم الشركة الهادئ.
- تمسك الكوكب من رقبته.. لماذا يتعطل اقتصاد العالم إذ سقطت TSMC؟
- الولايات المتحدة ماضية في خنق هواوي
- أمين عام اتحاد الغرف العربية: نريد شراكة مع الصين تتجاوز التجارة إلى التكنولوجيا والإنتاج والاستثمار
- أسهم الرقائق العالمية تتراجع وسط مخاوف بشأن استثمارات الذكاء الاصطناعي
- ضغوط ترامب ترفع تكاليف "TSMC" وتقلص هوامش أرباح الشركة





