في 21 أكتوبر 2026، أعلنت شركة ماراثون فيوجن المتخصصة في تطوير تقنيات مرتبطة بالطاقة النووية الاندماجية، نجاحها في تحويل الزئبق إلى ذهب مستقر، وقالت إن معدل الإنتاج الذي حققته تجاوز الرقم الذي رصده مركز الأبحاث النووية الأوروبي "سيرن" بعشرة أضعاف.
غير أن الإعلان لم يصاحبه، إفصاح كافٍ عن كمية الذهب الناتجة أو تكلفة إنتاجها، كما لم يظهر إعلان مستقل من الشركة يثبت النتائج المعلنة.
ووفق تقرير نشرته شبكة يورونيوز في 23 أكتوبر 2026، لم تتوافر بيانات علنية تثبت حجم الإنتاج أو تكلفته.
في رواية الخيميائي للبرازيلي باولو كويلو، يحاول الراعي الإسباني سانتياجو تعلم تحويل المعادن الرخيصة إلى ذهب، رفقة معلمه الحكيم الخيميائي الذي التقاه في الفيوم، إلا أنهما لم يستطيعا تحقيق الحلم أبدًا.
ضاعت 80% من قوتها الشرائية.. كيف تغيّرت قيمة الألف جنيه في 11 عامًا؟
حلم الأمس واقع اليوم
في 8 مايو 2025، أعلنت المنظمة الأوروبية للأبحاث النووية "سيرن"، رصد تحول نوى الرصاص إلى نوى ذهب نتيجة تفاعلات كهرومغناطيسية تقع عندما تمر نوى الرصاص فائقة السرعة بالقرب من بعضها.
تحدث العملية عند سرعات تقارب 99.999993% من سرعة الضوء، إذ يمكن للتفاعلات أن تؤدي إلى فقدان نواة الرصاص عددًا من البروتونات، لتتحول إلى نواة ذهب.
ووفق النتائج المنشورة، أنتجت التجارب الرئيسية خلال 2015-2018 نحو 86 مليار نواة ذهب، بكتلة إجمالية بلغت قرابة 29 بيكوجرامًا، أي 29 تريليون جزء من الجرام.
ولم تتحول هذه النوى إلى سبائك قابلة للبيع، إذ اصطدمت بمكونات المصادم وتفككت بعد زمن بالغ القصر، كما أوضحت "سيرن" أن التشغيل اللاحق للمصادم أنتج كميات إضافية، لكنها تظل أقل بكثير من أن تسمح بصناعة قطعة مجوهرات واحدة.
أثبتت التجربة إمكان تحويل عنصر إلى آخر باستخدام التفاعلات النووية، لكنها لم تفتح طريقًا اقتصاديًا لإنتاج الذهب، بسبب البحوث المعقدة والمكلفة.
تقترح "ماراثون فيوجن" استغلال النيوترونات عالية الطاقة الناتجة عن تفاعلات الاندماج النووي، وهي تفاعلات يسعى الباحثون إلى استخدامها في توليد الكهرباء مستقبلًا.
وفي دراسة نشرتها الشركة على منصة أركايف للأبحاث العلمية في يوليو 2025، طرحت تصورًا هندسيًا لاستخدام الزئبق داخل مفاعلات الاندماج، مستفيدة من قدرته على المشاركة في تفاعلات تنتج ذهبًا.
وقدرت الشركة في دراستها إمكان إنتاج عدة أطنان من الذهب سنويًا في مفاعل افتراضي، لكن التقديرات تختلف بحسب تصميم المفاعل والقدرة المستخدمة في الحساب والافتراضات المتعلقة بكفاءة التفاعل.
هل توجد مؤامرة وراء هبوط الذهب العالمي؟
هل يمكن إنتاج الذهب بتكلفة تنافس المناجم؟
توضح مقابلة أجراها معهد ماكس بلانك لفيزياء البلازما، مع كارل لاكنر المدير الفخري للمعهد، أن استخدام الزئبق لإنتاج الذهب أكثر تعقيدًا من استخدام مواد أخرى، وأن هذه التقنية قد لا تكون مناسبة للجيل الأول من مفاعلات الاندماج النووي.
وتناول لاكنر سيناريو لمفاعل ينتج جيجاواتًا واحدًا من الكهرباء، وقدر إمكان إنتاج نحو خمسة أطنان من الذهب سنويًا في ظل افتراضات محددة للتصميم واستخدام الزئبق.
الجرام أم السهم؟.. لماذا يثق المصريون في الذهب أكثر من البورصة؟
أرقام السوق.. 5 آلاف طن من المعروض العالمي
بحسب مجلس الذهب العالمي وتحليل بيانات عرضه وطلبه، بلغ إجمالي المعروض العالمي من الذهب نحو 5002 طن في 2025، منها 3672 طنًا من إنتاج المناجم و1404 أطنان من الذهب المعاد تدويره، بينما أسهم صافي تحوط المنتجين في خفض إجمالي المعروض.
وتكشف أرقام مجلس الذهب العالمي أن إنتاج المناجم لا يزال المصدر الأكبر للذهب الجديد، بينما تمثل إعادة التدوير مصدرًا مهمًا إضافيًا للمعروض، ولا يساوي إجمالي المعروض مجموع إنتاج المناجم وإعادة التدوير فقط، إذ يشمل أيضًا أثر تحوط المنتجين.
وفي أحدث بياناته، اليوم، أفاد مجلس الذهب العالمي بأن إنتاج المناجم بلغ 1866.9 طن في النصف الأول من 2026 مقابل 699.9 طن من الذهب المعاد تدويره، بينما وصل إجمالي المعروض إلى نحو 2522 طنًا بعد احتساب صافي تحوط المنتجين.
وفي الربع الثاني وحده، حسب مجلس الذهب العالمي، سجل إنتاج المناجم 965.6 طن، بزيادة 2% على أساس سنوي، بينما تراجعت إعادة التدوير 6% إلى 326.1 طن، وظل إجمالي المعروض شبه مستقر عند 1268.9 طن.
وبالرجوع إلى سيناريو شركة ماراثون فيوجن، فإن إنتاج طنّين من الذهب سنويًا لكل جيجاوات حراري، وفق أحد السيناريوهات النظرية المطروحة، يعادل نحو 0.04% فقط من إجمالي المعروض العالمي في 2025، ما يشير إلى أن مفاعلًا واحدًا بهذا الإنتاج لن يحدث تغييرًا جوهريًا في توازن السوق، بينما إذا أمكن تشغيل عشرات المفاعلات فقد يصبح المعروض الإضافي أكثر لفتًا للانتباه، بشرط الأسعار التنافسية.
وتشير مقابلة لاكنر إلى أن بعض الذهب الناتج قد يحتاج تخزينًا طويلًا قبل أن ينخفض نشاطه الإشعاعي إلى مستوى مناسب وآمن للاستخدام في المجوهرات، وقدّر المدة بنحو 18 عامًا. وهكذا، يبقى التخزين الطويل عبئًا إضافيًا على التكلفة، بسبب تجميد رأس المال وتكاليف التأمين والرقابة.
الماس يفقد بريقه وأسعاره تهبط 51%.. فما السبب؟
هل يتكرر سيناريو الألماس الصناعي؟
يستحضر الحديث عن الذهب المصنّع تجربة الألماس المصنّع في المختبرات، التي أدت زيادة إنتاجها الصناعي إلى تراجع أسعارها وغيرت اقتصاديات صناعة الألماس المستخرج من المناجم.
واستعرض «بوابة مصر الجديدة» في تقرير إنتاج الألماس الصناعي، حيث أصبح عملية تجارية قابلة للتوسع، بينما لا يزال إنتاج الذهب في المختبر مرتبطًا بمفاعلات متقدمة وتقنيات مكلفة ومتطلبات للسلامة الإشعاعية.
وتطل مشكلة أخرى، وهي أن الذهب يؤدي وظيفة مالية واستثمارية واحتياطية لدى البنوك المركزية، فضلًا عن استخدامه في المجوهرات والصناعة.
وتؤكد مجموعة بي إيه جلوبال للمراجع الضريبية والاستشارات، أن الذهب المصنّع نوويًا لا يدخل حاليًا في إمدادات الذهب التجارية التي تعتمد عليها البنوك المركزية.
وتوضح بيانات مجلس الذهب العالمي أن البنوك المركزية تحتفظ بالذهب بوصفه أصلًا احتياطيًا، وتفضل المؤسسات التي شملها مسح المجلس لعام 2026 سبائك الذهب القياسية المعروفة باسم التسليم الجيد (Good Delivery)، التي تستوفي مواصفات محددة للوزن والنقاء والعلامات التعريفية.
بعد رحلته الطويلة للبحث عن تحقيق أمله في صناعة كنز مع الحكيم الخيميائي، لم يجد سانتياجو كنزه إلا تحت شجرة جميز عتيقة بباحة كنيسة مهدمة كان يستخدمها مأوى لغنمه حينما كان راعيًا.






