مباشر- محمد الخولي: تتجه أنظار الأسواق والمستثمرين يومي الثلاثاء والأربعاء 15 و16 سبتمبر المقبل، إلى العاصمة واشنطن، حيث الاجتماع المهم لمجلس الاحتياطي الأمريكي، الثاني تحت قيادة كيفين وارش، رئيس مجلس الفيدرالي الجديد.
أهمية الاجتماع تأتي من توقيت انعقاده، إذ ارتفعت عوائد السندات الأمريكية إلى مستويات قياسية غير مسبوقة منذ عام 2007، بالإضافة إلى موقف الحليف اليابان، والتي تنتظر تحركا صعبا ومنتظرا في نفس الوقت، من خلال رفع الفائدة على الين، في محاولة لوقف نزيفه المستمر أمام الدولار، خاصة أن اليابان الأولى على رأس قائمة مشتريي الدين الأمريكي بأكثر من تريليون و200 مليار دولار، بالإضافة إلى أرقام التضخم التي لاتزال بعيدة عن هدف الـ 2%.
وسياسيا يترقب العالم المباحثات المتعثرة بين أمريكا وإيران، في أمل حدوث أي انفراجة في ملف الحرب المستعرة منذ 28 فبراير الماضي، الحرب التي ضغطت على كل شيء حول العالم، خاصة أسواق الطاقة والديون السيادية.
"وارش" الذي لا يبدو أنه محب للاجتماعات أو الحديث للصحافة، يريد أن يطلق العنان للبيانات لتحدد اتجاه الأسواق، قال في الندوة السنوية بـ "جاكسون هول" بولاية وايومنج، إنه في حال عدم انخفاض التضخم للمعدل المستهدف 2%، فأنه على الاحتياطي الفيدرالي "عمل لابد من القيام به" في إشارة واضحة إلى احتمالية رفع أسعار الفائدة، وهو ما ترجمته الأسواق فورا بانخفاض حاد في الأسهم والعملات المشفرة، وارتفاع كبير لعوائد السندات.
"وارش" أضاف: "يجب أن نكون واثقين بأن التضخم الأساسي يتحرك نحو الهدف بوضوح وسرعة كافية، وإلا فسيكون أمامنا عمل يتعين القيام به.. هذه وظيفتنا ومهمتنا والتكليف الذي يجب أن نلتزم به".. الرسالة اكتسبت أهمية كبيرة خاصة بعدما أبقى الفيدرالي سعر الفائدة دون تغيير في نطاق 3.50 إلى 3.75% منذ ديسمبر 2025، في ظل عدم ظهور تقدم كافٍ نحو خفض التضخم.
التضخم العنيدقبل ساعات من تصريحات جاكسون هول، أُعلن مؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي، المقياس الذي يستخدمه الاحتياطي الفيدرالي لقياس هدف التضخم، ليسجل 3.7% على أساس سنوي في يوليو، بينما بلغ التضخم الأساسي، الذي يستبعد الغذاء والطاقة، 3.3%، وكلاهما لا يزال أعلى بكثير من مستهدف الفيدرالي البالغ 2%.
"وارش" وصف التقدم المحقق في خفض التضخم خلال العامين الماضيين بـ"المتواضع"، لافتاً إلى أن نحو نصف مكونات سلة السلع والخدمات في المؤشر ترتفع بمعدل سنوي يتجاوز 3%، ورغم أن هذه النسبة أقل مما سجلته خلال موجة تضخم جائحة كورونا، لكنها تظل أعلى من المعدلات التي كانت سائدة قبل 2020.
مأزق السنداتالمشهد يزداد تعقيدا إذا نظرنا إلى سوق السندات، إذ لا تزال العوائد التي تدفعها الحكومة الأمريكية للمستثمرين نظير الاحتفاظ بالسندات طويلة الأجل إلى أكثر من 5.3% وهو العائد الأكبر منذ عام 2007، الأمر الذي حاول وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت، التصدي له من خلال إعادة شراء سندات بقيمة 4 مليارات دولار، لكن المحاولة باءت بالفشل بعد أقل من 24 ساعة، إذ عاد منحنى العائد على السندات للارتفاع مجددا الخميس، رغم المحاولة النادرة في أكبر اقتصاد في العالم التي بدأها الوزير الثلاثاء.
أزمة اليابانوفي زاوية أخرى للمشهد المعقد، يواجه الين الياباني أزمة كبيرة إذ وصل في نهاية تعاملات الجمعة، إلى 160 ين لكل دولار أمريكي، وهو المستوى الحرج الذي تحدث عنه المسؤولون في البلدين أكثر من مرة.
اليابان أكبر حائز للسندات الأمريكية بـ 1.12 تريليون دولار بنهاية شهر يونيو 2026، أنفقت نحو 96 مليار دولار خلال الفترة من 30 يوليو إلى 26 أغسطس لدعم الين، في أكبر تدخل شهري في سوق الصرف في تاريخها، لكنه لم يكن كافيا، وبالتالي إذا اضطرت طوكيو إلى تكثيف تدخلاتها في سوق الصرف أو أعادت ترتيب جزء من احتياطياتها، ولم تحقق النتيجة المرضية، ستبيع جزء من حيازتها من السندات الأمريكية، ما يخلق ضغوطا جديدة على حكومة واشنطن، التي ستكون مطالبة بدفع عوائد أكبر على سنداتها.
وزارة الخزانة الأمريكية تدخلت أول أغسطس الجاري لدعم الين بالفعل بشكل مباشر، عندما اشترت العملة اليابانية بالتنسيق مع طوكيو، لأول مرة منذ أكثر من عقد، في وقت اقترب فيه من أدنى مستوياته عند 155 ين للدولار. لكن التدخل الأمريكي أدى لانخفاض الدولار أمام الين لعدة أيام فقط، قبل أن يرتد الأخير متراجعا لمستويات غير مسبوقة.
تفاصيل الصورةسيكون أمام الفيدرالي الأمريكي مفترق طرق قد يكون الأول من نوعه منذ عقود، إذ سيصبح على "وارش" رفع الفائدة لمواجهة التضخم، لكن أي رفع للفائدة بمثابة ضغطا جديدا على الين الياباني أو بمعنى آخر سيضغط الدولار الأمريكي "المرتفع الفائدة" على السندات الأمريكية في النهاية! ليستمر العائد عليها في الصعود، وهو ما لا يريده الرئيس دونالد ترامب بكل تأكيد.
وبالتالي فأن اجتماع سبتمبر المقبل، لن يكون اختبارًا للتضخم وحده، بل اختبارًا لقدرة الفيدرالي على الموازنة بين ثلاثة أسواق مترابطة هي التضخم، وعائد السندات، وسوق الصرف، رفع الفائدة قد يمنح "وارش" أداة إضافية لمحاربة التضخم، لكنه قد يزيد فارق العائد مع اليابان ويدفع الين إلى مزيد من الضعف، بما قد يستدعي تدخلًا جديدًا من طوكيو.
أما في حالة تثبيت الفائدة، ستظل مكونات الصورة الحالية كما هي، ولن يعني التثبيت استقرار الأسواق بالضرورة، بل سيترك المستثمرين أمام سؤال أكبر: هل التضخم سيتراجع من تلقاء نفسه، أم أن الفيدرالي سيضطر لاحقًا إلى تشديد السياسة بصورة أكبر؟
أخبار متعلقة :