مباشر- تشهد أسواق الأسهم الأوروبية انتعاشاً ملحوظاً لا يعكس بالضرورة الواقع الاقتصادي الفعلي للقارة؛ إذ يمثل الاستثمار في هذه الأسهم رهاناً على النمو الاقتصادي العالمي وليس المحلي، وفق بلومبرج. وتحصل الشركات المدرجة في مؤشر "ستوكس يوروب 600" – الذي سجل ارتفاعاً بنسبة 12% خلال العام الحالي – على نحو نصف إيراداتها الإجمالية من أسواق خارج القارة الأوروبية، مقارنة بمؤشر "ستاندرد آند بورز 500" الأمريكي الذي لا تتعدى إيرادات شركته من مصادر خارجية حاجز 30%. ويبرز هذا التباين تفوق الشركات الأوروبية الرائدة عالميّاً في قطاعات السلع الفاخرة والأدوية والهندسة، لكنه يؤكد في الوقت ذاته أن أداء البورصات الأوروبية لم يكن يوماً مقياساً دقيقاً لصحة الطلب المحلي على السلع والخدمات. وأخفى النجاح العالمي للشركات الكبرى، مثل شركة "شنايدر إلكتريك" الفرنسية التي تزدهر بفضل الطلب الأمريكي والآسيوي على معدات مراكز البيانات، انزلاق التكتل نحو ركود داخلي؛ حيث يقارب معدل النمو الفعلي للاتحاد الأوروبي 1% فقط خلال العام الماضي.
وتواجه القارة حاليّاً معضلات هيكلية تتمثل في شيخوخة السكان، وتراجع الثقة، والإفراط في التنظيم التنفيذي. وباتت خطط الإصلاح تطرح من منظور السيادة والقدرة التنافسية الصناعية بدفعة من التهديدات الاقتصادية والعسكرية المتزايدة من الصين وروسيا، مما يضع صناع القرار أمام حتمية الإجابة عن التساؤل المحوري حول المحرك الفعلي للاقتصاد في حال تراجع الاعتماد على استيراد النمو من الخارج. وتتزايد المخاوف من احتمالية عجز الشركات الأوروبية قريباً عن تسويق منتجاتها الفاخرة وأدويتها في الأسواق الكبرى مثل الصين والولايات المتحدة، إما بسبب تبني سياسات الحماية التجارية أو لارتفاع كفاءة المنافسين المحليين، وهو ما يظهر جليّاً في تراجع إقبال بكين على السيارات الألمانية.
ودفعت هذه البيئة الجيوسياسية المستثمرين إلى استباق الأحداث؛ فمنذ إعلان حزم الرسوم الجمركية في أبريل 2025، تفوقت الأسهم الأوروبية ذات التركيز المحلي على نظيراتها العالمية بفارق تراوح بين 7 و10 نقاط مئوية خلال العام الحالي، نتيجة المخاوف من أن تؤدي التحولات السياسية لعزل الشركات الأوروبية عن أسواقها الحيوية التي تجني منها أرباحاً طائلة. ورغم وجود بعض بوادر التفاؤل المرتبطة بزيادة الإنفاق على البنية التحتية والدفاع وتعزيز سلاسل التوريد الداخلية لتحقيق الاستقلال الاستراتيجي، فإن خيارات التحفيز تبدو محدودة. وأشار البنك المركزي الأوروبي إلى أن ألمانيا وحدها تمتلك السيولة الكافية للإنفاق، محذراً بتشاؤم من استمرار تراجع الحصة العالمية للشركات الأوروبية في السوق الموحدة. وأصبح لزاماً على الاتحاد الأوروبي، الذي اعتمد تاريخيّاً على إعادة البناء والتصدير ثم الاقتراض، التركيز على قوته الاستهلاكية الداخلية البالغة 450 مليون نسمة، وتحويلهم إلى مستهلكين ورواد أعمال ومستثمرين أكثر تفاؤلاً وجرأة لضمان قيادة القارة نحو الأمام خلال العقد المقبل.
أخبار متعلقة :